مركز تراث كربلاء
ادبية
من أعلام الحركة الأدبيَّة في كربلاء السيّد عبد الرزاق زيني الحسنيّ
التاريخ : 10 / 12 / 2019        عدد المشاهدات : 639

 

لا شيءَ أفضل من العلم والأدب في مقياس القيَم المعنويّة التي تتفاوت درجتها بما يبذل المرء من الجهد لتحصيل أيّاً منها ويرتشف من معينه الفيّاض ما شاء أن يرتشف، فهو شرف له في الحياة وخلود بعد الممات، وقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان للعلم لا للجهل بما وهبه من عقل نيّر مدرك.. ونحن هنا أمام قامة من قامات الأدب في مدينة كربلاء المقدّسة ألا وهو السيّد عبد الرزاق الحسَنيّ.

ولد السيّد عبد الرزّاق زيني الحسنيّ في كربلاء سنة 1306هـ في بيتٍ سما بالشرف والمجد لعراقة امتداده إلى أطهر الأصلاب وأزكاها إن عدّت الأحساب والأنساب في تاريخ السلالات العلويّة الطاهرة الرفيعة، فـ (آل زيني) ينحدرون ظهراً فظهر من صُلب الإمام الحسن الزكي -عليه السلام-سبط رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم-فهم من ذريّته ومنه وإليه حسَباً ونسَباً، ولا شرف أعلى من الانتماء إلى شجرةٍ طيّبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء.

وقد تفرّعت هذه السُّلالة الجليلة وتشعّبت قديماً وانتشرت في أكثر من بلد، وأصبح كلُّ فرعٍ منها باسم أو لقب خاص وقد عُرف – آل زيني– واشتهروا بهذا اللقب بعد وفاة جدِّهم الأعلى العالم الكبير السيّد زين الدين الحسَنيّ تيمُّناً باسمه وتخليداً له وهو ابن العالم الفاضل السيّد علي الذي تفرَّع منه – آل الراضيّ – و – آل الهاديّ – و – آل الحسَنيّ – و – آل الحيدريّ – و – وآل عيسى – و – آل الحمدنيّ – و – آل عطيفة – و – وآل الحبوبيّ – و – آل العطّار -.

وتكوّنت من كلِّ هذه الأسر أسرٌ كبيرة وعديدة نمواً مع الزمن وأنجبت المشاهير من العلماء والأدباء والشعراء كانوا من النوابغ، وكان العراق ولا يزال مرتعهم الخصب، ومنطلق عبقريّاتهم، وموطن تراثهم الخالد، ومن علمائهم اللّامعين آية الله السيّد محمد الحسنيّ وآية الله السيّد علي نقي الحيدريّ ونجله العلّامة الشاعر الكبير السيّد محمد الحيدريّ كما أنَّ فيهم الشخصيّات الاجتماعيّة المرموقة وكبار التجّار والمثقّفين ما يشار لهم بالبنان، وتلك مرابضهم في الكاظميّة وبغداد والنجف الأشرف وكربلاء المقدّسة تزدان بالهيبة والرِّفعة ويوشّحها المجد بوشاح الفخار منسوجاً من المعاني والإباء والرجولة والتضحية وطيب المحتد، والتاريخ شاهد على ذلك وهو لها عنوان الخلود في ضمير الزمن.

وقد شهدت كربلاء في النصف الثاني من القرن الحادي عشـر الهجري أهمَّ حدث في تاريخ الأدب العربي كان يجذب القلب ويشغل الفكر وهي معركة الخميس الأدبيّة المشهورة التي كان بيت الشاعر الشهير محمد زيني حلبة فرسانها وهو قطب رحاها.

كان السيّد عبد الرزّاق زيني زهرةً من زهرات رياض العلم والأدب في كربلاء المقدّسة التي انبثقت فيها ينابيع المعارف العلميّة والفكريّة وسقت تلك الرياض فنمَت وازدهرت واثمرتْ وفاحت اشذاؤها العبقة في سمائها الصافية وحملتها الأنسام العذبة وملأت الاجواء، وقد شدَّ الرحالَ إلى كربلاء كلُّ من اشتاقت روحه ذلك العبير المتأرجح وطابت نفسه واستوطنها وعكف على تلقي العلوم والآداب فيها بعين قريرة وقلب طافح بالغبطة وصفاء العقيدة ورسوخ الإيمان. كثيرون أولئك العلماء الأعاظم الذين قلّدهم الله الزعامة في المرجعيّة والتقليد والقيادة الدينيّة سواء كانوا من كربلاء نفسها أو من خارجها، ويشهد التاريخ أنَّ كربلاء كانت عاصمة العلم والأدب وقد عاشت عصراً ذهبيّاً منقطع النظير في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين.

كان السيّد عبد الرزّاق ربيب بيت العلم والأدب وهو حفيد العالم والشاعر الشهير السيّد زين الدين الحسَنيّ المتوفّى سنة 1174هـ وقد نشأ في ظل والده المرحوم السيّد كاظم زيني نشأةً دينيّة وفّرت له سُبل النبوغ بالعلم والمعرفة وقوّمت شخصيته تقويماً ذاتياً بالاستمداد والوراثة. وتتلمذ على لفيف من أعلام عصـره الفطاحل حيث قرأ فصولاً من الفقه الإسلاميّ على السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ المرجع الدينيّ الأعلى وفقيه عصـره وزمانه، ودرس لدى المرحوم آية الله الشيخ محمد الخطيب العلومَ العربيّة كالنحو والصرف وأتمّ عليه دراسة الفقه، وكان طامحاً بالمزيد من العلم فقرأ المنطق على المرحوم العالم الكبير الشيخ أحمد ابن المرحوم الشيخ زين العابدين وكان من أكابر علماء كربلاء.

كما أخذ التاريخ الإسلامي عن المرحوم شيخ الخطباء العلّامة الشيخ محمد مهدي المازندراني وانخرط في مقتبل شبابه في سلك خطباء المنبر الحسينيّ واستوت لديه ملَكة الخطابة والبيان، ومن تلامذته الخطيب الفاضل الشيخ فاضل الحلّي البصير، الخطيب البارع السيّد صدر الدين الحكيم الشهرستانيّ، السيّد رؤوف السنديّ وبعض الطلبة الباكستانيّين وغيرهم.

لم يكن السيّد عبد الرزاق زيني خطيباً من الدرجة الأولى ولكنّه كان متمكّناً من الأداء والعرض التاريخي وتصوير مأساة الطف وفاجعتها المروّعة وإبراز الحقائق في أهداف النهضة الحسينيّة الجبّارة الخالدة إلى جانب التوجيه الأخلاقيّ والوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كل ذلك بأسلوب رصين يتقبّله العقل ويلج شغاف النفوس، وكان يعرف قيمة المنبر ويعطيه حقّه من التقديس وكان في مستوى شعوره بحقيقة الرسالة المقدّسة وبمسؤوليّته عن التبليغ كواجبٍ دينيٍّ فوق مستوى الشعور بما غيرها من المسؤوليات.

ومن الجدير بالذكر أنّ السيّد عبد الرزاق زيني تنبّأ بموته قبل حدوثه ببضعة أيام وذلك على أثر رؤيا رأتها زوجته وقصتّها عليه ففسرها بدنوِّ أجله وكان يهمُّ بالخروج من البيت حينذاك ولكنّه خلع ملابسه وقبع في حجرته ينتظر الموت، وكانت نبوءةً صادقة حيث فاجأه المرض وأخذ منه مأخذه حتى حانت ساعة رحيله إلى الأبد في ليلة الرابع عشر من شهر ذي القعدة عام 1373هـ .

بقي المرحوم السيّد عبد الرزّاق زيني حيّاً في القلوب ويذكره الناس بخير كلما ذُكرت مآثر الخطباء ومحاسنهم. لقد تأسّى بفقد هذا الخطيب المفوّه محبّوه وأصدقاؤه وذووه وعارفوا فضله لما كان لوفاته من وقعٍ أليمٍ في نفوسهم . وقد انبرى الشاعر الكبير السيّد مرتضى الوهّاب معبّراً عن شعوره العميق في رزئه الجلل، فأرّخ وفاته في هذه الأبيات:

استـــــأثر اللهُ بوالـــــــدِ الرِّضــــا                            وأدركتــــــْـهُ رحمـــــــةٌ مــن عنـــدِهِ

فحــــلَّ زينُ الواعظيــــنَ نــــازلاً                           مــــأوى الحسيــــن راجيـــاً بوفـــــــدِهِ

مُستشـــفعاً قصـــد الخلــود أرّخوا                         قـد خــــلّد الـــــــرزاقُ روحَ عبــــــدِهِ

 

كما جادت قريحة الشاعر الأستاذ علي محمد الحائريّ في رثائه حين قال:

أبا الرضـــا يا فقيدَ الـــعلمِ والأدبِ                                قد أبعدتكَ المنــــايا غير مغتـَــربِ

يا فارســــاً في ميادين العُلا أبـــداً                                 بالعــلمِ والخـــلُق المسماحِ والخطبِ

حُزتَ العُلى يا سليلَ المجدِ في نَسبٍ                              للسبطِ  تُنمى وما أزكاه من نَسـَـــبِ

الهاشميّون أولى الناس في شـــرَفٍ                               وخيرُهم يُحــــتذى في كلِّ منـــتسبِ

و(آل زيني) بأرض الطفِّ يوصلُهم                                 بجـــدِّهم سبـــبٌ لله مـــــــن سبَبِ

فقيدُهم عطَّر ( الرزّاقُ) مرقـــدَهُ                                  وسحَّ فـــوق ثـــراهُ وابــــلَ الســُّـحُب ِ

هناك في الجهة الشماليّة من الصحن الحسينيّ الشريف ووريَ جثمان هذا الخطيب الخالد في مقبرته الخاصة فطيّب الله ثراه وحشـره مع الأولياء والصالحين.

 

 

 


وحدة الإعلام


اتصل بنا
يمكنكم الاتصال بنا عن طريق الاتصال على هواتف القسم
+964     7602326873
+964     7721457394
أو عن طريق ارسال رسالة عبر البريد الالكتروني
media@mk.iq
info@mk.iq

تطبيق المعارف الاسلامية والانسانية :
يمكنكم ارسال رساله عن طريق ملء النموذج التالي :
اتصل بنا

او مواقع التواصل الاجتماعي التالية :