متاحف
متحف التراث الشعبي في قضاء شط العرب / البصرة
للمقتنيات والتحف والنفائس النادرة والقديمة آثارٌ كبيرةٌ في حياة الناس ، ولما تؤلفه لهم من ذكريات وشجون ومواقف تحيلهم إلى زمن انقضى وولى ، وحادثة استوقفتهم ، أو مشهد أثَّر بهم .. ودائماً ما تكون هذه النفائس ذات أثر وقيمة مادّية ومعنويَّة ، وكلَّما تقادم عليها الزمن زادت أسعارها ، واتّسعت رقعة الاعتزاز بها ، وكبرت مكانتها .. ودائماً ما نستحضر احدى هذه التحف لنجدها كانت تؤلف يوماً سلعة غالية وفاعلة في البيت ، إلا أننا تخلصنا منها ورميناها خارجاً بعد أن تصورناها زادت عن حاجتنا ، أو أنَّ آلة أخرى حديثة أنابت عنها ، وهو الأمر الذي يشعرنا بالأسف عليها ، ونحن نراها تتصدر خزانة في متحف ، أو مكاناً في مكتبة ، أو تشغل زاوية من مكان في مؤسسة تاريخية ، أو في مركزٍ تراثيٍّ ، أو تجمّع أثري . ومقابل ما ذكرنا نجد بعض الناس تهتم بهذه التحف والنفائس والمدخرات الثمينة ، لتضعها وتودعها في أماكن أو قاعات خاصة بها ، يعنى بها اي عناية ، حتى يتوسع هذا الاهتمام والشغف ليصبح مشروعا جادا ، او متحفا شخصيا ، لا عجب ان يفوق بمحفوظاته وممتلكاته المتاحف الحكومية والرسمية الاخرى . وظاهرة المتاحف الشخصية منتشرة في عراقنا العزيز ، وموجودة بشكل لافت للنظر ، وهي ظاهرة تنشط وتتفاوت وتختلف من محافظة إلى أخرى ، وهناك مقتنيات كثيرة موجودة في هذه المتاحف الشخصية ، لا عجب أن تعد من النفائس والآثار الثمينة ، ودائماً ما تبدأ المتاحف الشخصية من هوايات فردية ، يجمع صاحبها هذه الآثار ، ويعنى بها ، ويشتريها لتكون إحدى أهم اهتماماته وعنايته المفضلة . وتأخذ هذه المتاحف الشخصية مكانة خاصة ومعتبرة في مراحل العناية والجمع والخزن ، لكن ثمَّة خلل نجده ونؤكد عليه هنا وهو ، إنَّها تحتاج إلى مكان واسع ورحب ، يضم قاعات وأجنحة وأقسام وورش صيانة .. فضلاً عن الأمور الأساسية التي تحافظ على التحفة أو القطعة الأثرية من التلف والضياع والطمس ، وجميعنا يعلم أنَّ هناك أعمالاً وصيانات وإجراءات خاصة للمحافظة على هذه النفائس تتخذها إدارات المتاحف ويعرفها المتخصصون في هذا المجال ، وعندما نشير أثناء مقابلاتنا إلى إيلاء ضرورة وأولوية هذا الأمر لصاحب المتحف ، يأخذه الاعتزاز بمحفوظاته ومقتنياته ، ويحسب أن الامر يعود لشريك متطفل سيقاسمه هذا الجهد الزمني ، وهذا الهم الشخصي الكبير ، كما أن هناك أمر آخر يعود إلى ثقافة صاحب المتحف الشخصي ، ونقولها هنا باعتزاز : إنها لطالما تكون قاصرة في الالمام بطبيعة الأثر أو التحفة أو المحفوظ من التراث ، فتجد أن شرحه للزائر أو السائح لم يكن وافياً وغنياً ومهنياً، أو أن ثقافته والمامه تكاد تكون قاصرة حيال ما يتطلع إليه الزائر أو السائح من الحصول على المعلومات ، وهو أمرٌ يحتاج إلى أن تنفتح الدولة على هؤلاء الهواة لتحصن معلوماتهم ، وتزيد من فهمهم ، وتعزز خبراتهم ، فضلاً عن المامهم باللغات الاخرى ، ونصل بالقول إلى أننا لم نر تعاوناً بين مؤسسات الدولة المختصة بإدارة ورعاية المتاحف ، ودور الآثار والنفائس ، وهؤلاء الأفراد والذين يعتبرون رسلاً للحفاظ على الثروة الوطنية من الضياع والهدر ، إنهم يقومون بعمل يستحق الثناء والتقدير والرعاية ، إذا ما عرفنا أن بعض هذه المتاحف تعتبر من المعالم الثقافية والتراثية والسياحية التي تعد من المآثر والمعالم الاساسية في المدينة . اتجهنا صوب متحف تراث البصرة ، والمعروف بمتحف الشيخ أحمد محمود الدفتر من خلال صديقه الحاج نوري خير الله الذي رافقنا وفتح لنا الطريق للقاء الشيخ الدفتر لنسأله : عن هذا الكم الهائل من التحف والمحفوظات التراثية ، والمنسوخات التاريخية التي لا يسعها مكان ، لقيمتها الاثرية ، وثقلها التاريخي ، وسألناه عن بدايات هذا المتحف ليجيبنا قائلا : قبل أن أجيبكم لا بدّ لي أن أذكر إنني وللطرفة احتفظ بدشداشتي (البازة ) يوم كان عمري ستة أشهر ، وهي واحدة من معروضاتي هنا ، استطيع أن أقول : ثلاثة أشياء في حياتي أحبها ، وما زالت تلازمني في كل خطواتي ، الاولى هي حبي للزراعة وبكل أنواعها ، والثانية هي حبي لتربية الحيوانات ، والثالثة هو اقتنائي لهذه الموروثات والآلات والعدد والادوات والمكائن التراثية ، وكل ما له علاقة بالقديم والعتيق والموغل بالزمن ، ولقد آليت على نفسي لان اكون موفقاً في احتضاني لهذه الهوايات والانتماءات ، ولكنني لم أواصل مسيرتي في تربية الحيوانات ، بعدما كنت أول من افتتح حديقة للحيوان في البصرة ، ولكن لعوامل وأمور شخصية تخليت عن العناية بحديقة الحيوان ، واحتفظت هنا في مزرعتي الخاصة ببعض حيوانات الزينة والداجنة التي أحبها ، وبعضها يبدو كما ترون غريباً ونادراً ، أما الزراعة فقد كنت ونتيجة كبر السن مشرفاً فقط ، لاسيما وانتم تدركون همها الكبير ، ولكن بقيت هوايتي الأم وعنايتي بجمع التحف والأثريات قائمة متجددة ، وأشعر أنني أنتمي الى هذه الهواية بكل أحاسيسي وارهاصاتي ، كونها تعيدني الى الماضي الذي أعشق . اما عن البدايات ، فلا اخفيكم من اننا كعائلة كنا متجهون إلى بيع التحف والنفائس من خلال محلاتنا الخاصة بهذه المهنة في سوق البصرة القديم ، وسوق الامير في العشار ، وكنت معني بهذه المهنة ومتعلق بها حد الشغف والوله ، حتى عرفت بها ، وصرت محط هواة الآثار والانتيكات والتحف القديمة ، استقبل الهواة والمعنيين بها ، من البصرة ، وكل مدن العراق . فتوسعت تجارتي ومحلاتي ، ولكن ظروفي الخاصة حالت دون أن تكون هذه المحلات موجودة ، فاتجهت إلى أن احتفظ بها وأجمعها في هذا المكان الذي ترون . ولكن ما نراه كبير ومتنوع جداً، ونظن أنَّ هذا الكم من التحف لا يسعه دكان أو محل ؟ نعم ، ما تقوله صحيح ، وعليه أنا أعدُّ العدة لانطلاق مشروعي الحلم بانبثاق متحف التراث في البصرة أ واظن انني امتلك اجنحته واقسامه بتوجهاتها كافة ، ولدي من المخازن والمدخرات التي تتنوع فيها التحف ، وتتوزع في المحفوظات التاريخية ، والعدد والمكائن والاجهزة الاثرية والتراثية .. وانا على كامل الاستعداد لأعلن ان الاشهر القليلة القادمة ستكون منطلقا لهذا المشروع ، الذي يكون بإذن الله أحد أهم واكبر المعالم التراثية في المدينة . هل حصلتم على شراكة أو مناشدة أو مساعدة من مؤسسة أو جمعية أو دائرة رسمية في افتتاح هذا المشروع الكبير ؟ لا اخفيك هنا انني استقبلت العديد من المقترحات والعروض ، ومن مؤسسات رسمية حكومية وغيرها ، بمشاركتي افتتاح هذا المتحف ، وافيض لك بالقول انني حصلت على مكان حيوي ومهم ، وهو ضمن مجمع القصور الرئاسية . ولكنني رفضت ، والسبب انني استقل بهذا الحب والانتماء ، واجده مشروعاً شخصياً ، على الرغم من انني احترم واقدر هذه المبادرات ، كما انني حصلت على عروض من منظمات أجنبية وإقليمية في تقديم العون والرعاية والتشجيع ، إلا أنني لم اتقبل أي من هذه المساعدات ولأمور خاصة بي . نحن نرى كما كبيراً من التحف والمحفوظات وما يمت إلى التاريخ والوثيقة والتراث ، اذا قدر لكم افتتاح متحفكم ان شاء الله ، ما هي اهم الاقسام والاجنحة التي يضمها هذا المتحف ؟ انتم ترون ان الاجنحة التي تسع هذه الآثار والمحفوظات والتحف كثيرة وواسعة ولله الحمد ، لذا ستكون هناك اجنحة خاصة بالمعروضات العسكرية والحربية القديمة ، والمسكوكات والعمل النقدية الذهبية والفضية والبرونزية الصلدة والورقية ، والمسابح والأحجار ، والسيوف والواقيات والدروع والبنادق والمسدسات والقوس والنبال والمدى والخناجر وأغطية الرأس الشركسية بأنواعها ، والملابس والازياء العسكرية والمدنية ، والرتب والنياشين والاوسمة والانواط ، وعدد الصيد والشباك والسنارات وآلات الصيد البحري والمجاذيف والزوارق والسفن والمراكب ، والبوابات وانواع الخشب والقداحات ، وعلب الثقاب والسجائر والغليونات والارجيلات ، والقداحات والساعات واجهزة التوقيتات والاسطرلابات ، واجهزة المذياع والتسجيل والفديو والكرامفون والاسطوانات ، والكاميرات الشمسية والفديوية والمحمولة ، واشرطة التسجيل ، واجهزة الطبخ والخيام ، واجهزة العروس وبيتها ، والفناجين والاقداح والكؤوس والاواني ، واجازات السوق وهويات النقابات وهوية غرفة تجارة البصرة ودفاتر الخدمة العسكرية وتذاكر سفر الطائرات والقطارات ، وسيارات الخدمة ، واقلام الكتابة الحبر والجاف وادوات القرطاسية القديمة ، والمعايدات والكارتات والصور الفوتغرافية ، والخزانات بأخشابها الصندل والصاج والتوث ، واعمال الارابسك والطاولات والكراسي والنقشات والبزمات واللوكات المشهورة قديما ، واجهزة الحراثة والخياطة والسباكة والحياكة ، وبدلات الصيد والغوص والعمل والخدمة العسكرية وازياء الجيش والبحرية والموانئ والسكك الحديد والبلدية ، واللباس العربي والهندي والقروي والعامي والافندي ، ولباس العلماء وطلاب الدين ، وازياء الطلبة والجامعات ، والصور الفوتغرافية واللوحات ، والسجاد بأنواعه والبسط والاقمشة القديمة ، والرسائل والطوابع والبرقيات ونماذجها .... ولكن شيخنا فضلا عن دشداشة الطفولة التي تعتز بها ، ما هي النفائس التي يحتفظ بها هذا المتحف ؟ احتفظ ب ( سدارة) رئيس الوزراء نوري السعيد ، وغرفة خشبية من أفضل أنواع خشب الصندل الذي يعطي رائحة زكية كالبخور تعود إلى الرئيس المقبور صدام حسين ، بيعت في سوق البصرة ، أما عن (سدارة ) رئيس الوزراء الباشا نوري سعيد ، فقد حصلت عليها من امرأة كانت تعمل في بيته الخاص ، وكانت تحصل على بعض الملابس القديمة من زوجة الباشا ، ومن ضمن ما حصلت عليه هذه السدارة التي كان يعتمرها رئيس الوزراء . وبعدما رافقنا جناب الشيخ الدفتر في مزرعته وجدنا ما يعزز هذه المحفوظات الثمينة ، فالتماثيل التي تشير الى تاريخ العراق ومعالمه الاساسية ، جسدها منتشرة على اكتاف مزرعته ، والبوابات والمراكب ونماذج السيارات القديمة ، واللوحات والنافورات والخيم والعرائش ، والاقفاص والاباريق والجرات والأوعية المفخورة الاسطوانية ، والنصب المذهبة التي تشير إلى معالم البصرة والعراق ، والمضايف والديوانيات وأحواض الاسماك .. كما أن الدفتر يحتفظ ويؤرشف لكل المناسبات والأعياد والأحداث التي شهدها العراق ، من خلال أفلام فيديوية خاصة ، فضلا عن محفوظات شخصية لعوائل مسيحية مهاجرة ، سكنت البصرة وكانت تتخذ منه ثقة وأمانا فأودعت شخصياتها وبعض ما تملك في عهدته ، وهو أمر يدلل على وجاهته ، ولقد وقفنا عن قرب على هذه المحفوظات الشخصية التي تعكس مدى حب العائلات البصرية للوثيقة والارشيف والتراث .. لا اخفيك قارئي العزيز انني لاحظت ان السجارة لا تفارق محدثنا ، وحينما سألت عن هذا الشغف السلبي قال لي بهمس انه يدخن يوميا ست علب من السجائر ، وحينها همس باذني مرافقنا الحاج نوري خير الله ان ذلك بسبب فقده لولديه!