المدارس الدينية

المدرسةُ الشِّعريَّة في مدينةِ الحِلَّة

المدرسةُ الشِّعريَّة في مدينةِ الحِلَّة

اهتمَّ العربُ قبلَ الإسلام بالشِّعر اهتمامًا كبيرًا، وعدَّه ابنُ خلدون ديوان العرب الجامع لأخلاقهم وعاداتهم ومعتقداتهم وعواطفهم وسائر معارفهم، وهو ديوان أخبارهم ومعدن حكمتهم فمن خلاله تُحفظ الأنساب والمآثر. وكان للشِّعر أثر كبير في العلاقات بين القبائل، العربِيّة قبل الإسلام فمِنه ما هدَّد النظام العام في شبه الجزيرةِ العربيّة لما له من وقعٍ في نفوس الناس وتأثرهم به، لذلك كان العرب في ذلك العصر يتقون الشعراء اتقاءً شديدًا، حتَّى شاعَ عند العرب قول: ((طعنُ اللّسان أمضى من طعن السنان))، لذلك عمدت بعض القبائل إلى منع شعرائها من هجاء القبائل الأخرى إذا لم يكن بينهم عداء، ومنهم من كان يشدّ لسان الشّاعر إذا أسره حتّى لا يهجوه أو يأخذون عليه العهود والمواثِيق بأن لا يفعل ذلك إن أطلقوا سراحه. وقد تناول الشِّعر مواضيع شتّى فضلًا عن الهجاء والمدح والتفاخر، وأبرز ما تفاخر به الشُّعراء هو أصالة النسب ونبل المحتدّ وكثرة العدد والشجاعة في القتال وإباء الذّل وغيرها من المواضيع. ومِمّا يدلُّ على أثر الشِّعر في الصلات بين القبائل أنّه كان يكثر أيام الحروب ويقلّ عند القبائل قليلة الحروب. وكانت العرب تعقد في أسواقها مجالس للشِّعر، تلقى فيها قصائدهم فخرًا وهجاءً ومن أهمها (سوق عكاظ). واستمرَّ أثر الشعر على مجمل حياة العرب بعد البعثة النبويَّة المُباركة واستخدم المسلمون الشعر لأغراض شتّى، كالمديح، والرثاء، والهجاء، والغزل، ومِن أوائل الذين مدحوا النبي الكريم(صلى الله عليه واله)، عمُّه أبو طالب (رض) مؤمن قريش، الذي وقف يدافع عن النبي الأكرم بكلِّ ما أوتي من قوةٍ بعشيرته وأولاده وأخوته وسيفه ولسانه وشعره فقال: كَذَبتُم وَبَيتِ اللَهِ نُبزى مُحَمَّدا . وَلَمّا نُطاعِن دونَهُ وَنُناضِلِ وَنُسلِمهُ حَتّى نُصَرَّعَ حَولَهُ وَنذهلَ عَن أَبنائِنا وَالحَلائِلِ وامتدّ أثر الشِّعر على الحقب اللاحقة في الإسلام واشتهر في معظم المدن الإسلاميَّة ومنها مدينة الحِلَّة فقد اهتمّ أدباؤها وأمراؤها وأهلها بالشعر والشعراء؛ نتيجة لعوامل عِدة ساعدت في توهجه في هذه المدينة، فكتب كثيرٌ – من الأدباء والفقهاء وعلماء الاجتماع والتاريخ - عنها إذ حباها الله سبحانه وتعالى بطيب التربة وصفاء الجو وكثرة الخيرات ولطف النسيم، ولذلك سمّيت بالفيحاء. وقد ساعدت على ذلك عوامل متعددة مِنها؛ كثرة هجرة العلماء والشعراء إليها، وتأييد حكّامها وأمراؤها للعلم والأدب، فضلًا عن كثرة التأليف والإنتاج، كما راج فيها سوق الشعر ومتذوقيه، وذاعت في الآفاق شاعرية شعراء مدينة الحِلّة جراء حسن نظمهم وإنشادهم، واستطاع الشاعر الحِلِّيّ أن يوجد ثنائيّة تاريخيَّة لا تنفكُ عن غرضه الأدبيّ، وتميّز بأن يجعل من قصيدته ثنائيّة تربط الوحدات التاريخيّة؛ ليقدّم نسيجًا متكاملًا يتكفّل بربط الأحداث التاريخيّة المتناثرة؛ بسبب المشروع التاريخيّ السياسيّ. وأصبحت مدينة الحلّة في عهد أميرها صدقة بن منصور المزيديّ كعبة الأدباء والشّعراءِ لما لاقوه منه من رعايَة وتشجيع. وقد ذكره الأصفهانيّ، في كتابه(خريدة القصر وجريدة العصر)، فقال: " وكان صدقة صديق الصادق، ولا تنفق عنده بضاعة المنافق، حَسِنُ الخلائقُ لِلخلائقِ، يهتزّ للشُّعراء اهتزاز الاعتزاز، ويخصُّ الشاعِر المجيد من جوده بالاختصاص والامتياز، ويؤمنه مدة عمره من طارق الإعواز، يقبل على الشعراء، ويمدّهم بحسن الإصغاء، وجزيل العطاء، لا يخيب قصد قاصده من ذوي القصائد، ويبلغ آمِلِيِهِ أغراضهم والمقاصد، ولكلِّ ذي فضيلةٍ على طبقته في دستوره اسم، بأن يطلق له من خزانته رسم". كما صاغت المدرسة الحِلِّيَّة أسلوبًا شعريًّا مميزًا في وصف حالة المجتمع وتطلّعاته وأحلامه وهواجسه ومخاوفه ومواقفه ونضاله وحبّه للحياة وفسّرت العلاقة الروحيّة بين أهل الحِلَّة وأهل البيت(عليهم السلام)، من خلال هذا الكمّ الهائل من الأشعار التي جاءت في وصفِ أهل البيت وسيرهم ومواقفهم وعلومهم ومكانتهم وما له صلة بحياتهم وما يحيطُ بهم، كما لخّصت المدرسة الحِلِّيَّة الكثير من اللّحظات الإنسانيّة إلى سطور بأقلام شعرائها ومزج الكثير منهم الأحداث ببعضها من أجل صنع قضيّة إنسانيَّة تخدم المجتمع وقضاياه المعاصرة مع وجود التنوّع والاختلاف الّذي يكمن في الفلسفة التي تبنّاها كلُّ شاعرٍ آنذاك. وقد أثمرت هذه المعطيات عن نخبة من الشُّعراء المُبدعين والمُحبّين لهذا الفنّ حيث تناولوا أغراضًا شعريَّة مُختلفة أطربت مسامع السامعين، فلم يخلو زمان من أزمنة الحِلَّة من وجود شعراء فطاحل تركوا أثرهم في هذا اللّون من الأدب، فأصبح للحِلِّيِّينَ في مجال الشعر الهِمّةَ العاليةَ والتأثير البارز، وأنجبت الحِلَّةُ من الشعراء الفحول الّذين ذاع صيتهم وعلا نجمهم وأصبحت لهم الكلمة المسموعة بين الأدباء ومحبّي الشعر الرفيع، فانتشرت دواوينهم في جميع البلدان الإسلاميَّة وسعى الكثير من الشعراء لاقتفاء أثرهم، والإفادة من فيض خبرتهم الأدبيّة، فأُعجب بهم الناس وأرباب الدولة، فقرّبوهم وأكرموهم، ويُعد انتشارهم في بطون الكتبِ دليلًا على سموّ الحركة الأدبيَّة والشِّعريَّة في الحِلَّة. وعلى الرغم من ذلك فقد اختلفت قوّة الشاعريَّة من شاعرٍ إلى آخر، وكان للظروف التي مرَّت عليهم بقسوتها قد أوجبت لهم العذر، غير أنّ المواهب الّتي يحملها الكثير من شعراء الحِلَّة أكّدت أنَّ الشاعريّة قابليّة خاصّة، لا تؤثِّر فيها بعض العوامل الساحقة، كما في شعراء بعض أعلام الأسر الحِلِّيَّة كـ(آل النحوي، وآل القزويني، وآل السَّيِّد سليمان) تلك الأسر التي رسّخت هذا الأدب وطوّرته بصورة ملموسة، حتَّى استطاعت أن تؤثر في كثير من العناصر والقوميّات الأخرى مثل الفرس والأتراك والأكراد، فنظموا وأجادوا وأصبح الشعر في حالة من الاقتفاء والأثر على السابقين والعاصرين. كما احتضنت الحِلَّةُ كثيرًا من أعلام الأدب، فاستطاعت من خلال ذلك أن تحظى بسجل واسع ضمّ ألوانًا من المآثر والمفاخر في بغداد والنجف، ومن روّاد المدرسة الشعريَّة في مدينة الحِلَّة نذكر: أبو المعالي سالم بن علي بن سلمان بن علي العودي (ت558هـ/1162م) من بلدة النيل ولد سنة (478هـ)، ويُعد مِن الشعراء الذين أشتهر شعرهم وقلَّت أخبار سيرهم وهو كوكب من كواكب الأدب، أثنى عليه الأصفهانيّ بقولِه: " شابٌ شبت له نار الذكاء، وكأنَّما شاب لنظمه صرف الصهباء بصافي الماء، ونشر فيه شؤبوب الفصاحة ". سعيد بن أحمد بن مكي الحِلِّيّ (ت565هـ/1169م) وهو من مشاهير عصره ومن أعيان الأدباء والشعراء في القرن السادس الهجريّ، من أهل منطقة النيل، وصفه الأصفهانيُّ قائلًا : " كان عاليًّا في الأدب، معلمًا في المكتب، وله شعرٌ جيِّدٌ، وأكثر من مديح أهل البيت(عليهم السلام)، وله غزلٌ رقيقٌ". أبوالغنائم حبشي بن محمَّد بن أبي طالب الحِلِّيّ المُلقَّب بشرف الدين (ت 573هـ/1178م) وهو من أهل الحِلَّة السيفيَّة، كان أبوه وزيرًا للأمير صدقة بن مزيد، تربَّى حبشيٌ في دولته وفاز منها بكلمات الأدب والشعر، سافر الى ماردين وعمل وزيرًا لصاحبها(تمرتاش) ثم وزيرًا في الشام (لعماد الدين زنكي) إلى أن قُتِل سنة(573هـ/1178م)، وكان من أجلِّ الكتّاب قدرًا ، ووصفه الخاقاني بقوله: " ما رأيت في الدنيا أجود منه بدًا وأعم منه ندى وأحسن منه رأيًا وأشمل منه عطايا وأشعر منه بالشعر وأعرف منه بالقيمة لأهله، وله ديوان كأنَّه بستان". أبو القاسم علي بن علي بن منصور الحِلِّيّ (ت 601هـ / 1204م) وهو من أهل الحِلَّة السيفيَّة نزل بغداد مدة، وكان يؤدب الصبيان وهو أخو النحوي نصر الخازن. أبو النجم بدران بن جعفر بن عثمان (ت 611هـ / 1214م) وهو مِن قرية الأميريَّة من نواحي النيل، ولد بها سنة(537هـ /1142م) ونشـأ بـ(واسط) وقرأ بها القـرآن الكـريم والأدب وقـال الشعرُ، ثم قـدِم بغـداد وسكنها ومدح الصدور والأعيان فصار أحد شعراء الديوان. سعيد بن حمزة بن أحمد بن حسن بن منصور بن الحارث بن شاروخ (ت613هـ /1216م) وكان شاعرًا بارعًا، ولِد بالنيل سنة (518هـ/1124م) ويُكنى أبو الغنائم، وله شعرٌ كثير مدح الأمراء والولاة. أبو الوفاء راجح بن إسماعيل الأسديّ الحِلِّيّ (ت 627هـ / 1229م)، من أهل الحِلَّة المزيديّة ولد بها سنة(570هـ/1174م) درس بالحلة على يد الأدباء والشعراء، فتفتح ذهنه وذاع صيته في البلدان وعُدّ من مشاهير عصره، جيد النظم، عذب الألفاظ، حسن المعاني، هاجر الى بلاد الشام ومصر والجزيرة ومدح ملوكها فلقى الحظوة في الشام. وظهر في الحلة خلال القرنين السابع والثامن الهجريِّين العديد من الشعراء الكبار ينتمون الى أسر علميّة مشهورة منهم: أسرة آل بطريق، فوصِفَ الشيخ علي بن الحسن (ت642ﻫ/1244م) بأنَّه جوهرة القرن السابع ودرة فريدة من عقد علماء الحِلَّة في هذا القرن. كان شاعرًا مجيداً، سافر إلى مصر وصارَ كاتبًا في عهد الملك الكامل (ت636ﻫ/1238م) ثم عاد إلى العراق. وبرزت في الشعر أسرة آل نما ومنهم عميد الرؤساء نجم الدّين جعفر (ت680ﻫ/1281م) شاعرًا جيدًا في مختلف أغراض الشعر كالحماسة والمديح والرثاء وخصوصًا لأهل البيت (عليهم السلام)، فمن قوله في مدح أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام): إذا اعتقلوا سمر الرماح ويمـّـمُوا أسود الثرى فرَّت من الخوف والذعرِ كماة رحى الحرب العوان فإن سطوا فـأقرانهم يـوم الكريهة في خسـرِ وإن أثبتوا في مزلف الحرب أرجلًا فمـوعدهم مِنـه إلى ملتقى الحشـرِ قلــوبهم فـوق الـدروع وهمهم ذهـاب النفوس السائلات على البتـرِ وكان للأسر العلميَّة في مدينة الحِلَّة اهتمامًا خاصًّا بالأدب والشعر وقد اشتهرت أسرة آل سعيد بالشعر، فكان للمحقِّق الحِلِّيّ شعر جيّد، إذ قال الشعر في مقتبل حياته وبمختلف الشعر، ولكن والده نهاه عن الاستمرار بكتابة الأشعار فترك كلَّ أنواعه وفنونه وانصبَّ شعره على المواعظ، ومنه قوله: يا رقدًا والمنايا غيـر راقدةٍ وغافـلًا وسهام الدهر ترميه بمَ اغترارك والأيام موصدةٌ والدهر قد ملأ الأسماع داعيه؟ أما أرتكَ الليالي قبح دخلتها وغدرهـا بالذي كانت تصافيه رفقًا بنفسك يا مغرور أنَّ لها يومًا تشيب النواحي من دواهيه وأبدعت أسرة آل طاووس في الشعر كرضي الدين علي بن طاووس الذي يقول شعره: خبت نار العلا بعد اشتعال ونادى الخيرُ حي على الـزوال عدمنا الجود إلَّا فـي الأماني وإلَّا فـي الـدفاتر والأمـالـي فيا ليت الدفاتر كـُـنَّ قومًا فأثرى الناس من كرم الخصال ولو أنّي جُعلتُ أميـر جيش لمـا حاربت إلَّا بـالســؤال لأنَّ النــاس ينهزمون منه وقــد ثبتوا لأطراف العـوالي وبرز أيضاً جمال الدين أبو الفضائل، فعُرِف عنه بأنَّه شاعرٌ مُفلقًا، ومِن شعره عند عزمه على التوجه إلى الإمام علي (عليه السلام) للزيارة : أتينا نباري الريح منـا عـزائم إلـى ملك يستثمر الغوث أمـله كريم المحيا ما أظـل سمـا به فأقشع حتَّى يعقب الخصب هاطله إذا آمل أشفت على الموت روحه أعادت عليه الروح فاقت شمائله وها نحن من ذات الفـريق يهزنا رجـاء تهز الأريـحي وسائله مجير الدين أبو الفضل علي بن محمَّد بن حميص النيليّ (ت703هـ/1303م) من شعراء القرن الثامن للهجرة وله معرفةٌ بالأدب مدحه جماعةٌ من رؤساء العراق، سافر إلى أذربيجان، وقال الشعر هناك. الحسن بن داوود الحليّ (ت:740هـ/1339م ) من شعراء القرن الثامن للهجرة، وكان عالمًا فاضلًا، برعَ في الشعر فكانت له معرفة تامة بأسرار الشعر، وصف شعره بـ(شعر فقيه) لما امتاز به من مرونة اللّفظ. وهناك فطاحل من الشعراء كصفي الدّين الحِلِّيّ، وابن العرندس الحِلِّي، والشيخ رجب البرسيّ، وغيرهم الكثير، مقسمين على العصور التاريخية لمدينة الحِلَّة.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7602320073
00964-7601179478
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathhi@gmail.com

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...