المدارس الدينية
المجالس الدينيّة والحسينيّة والأدبيّة في مدينة الحلّة
امتازت مدينة الحلّة بفيضٍ معرفيّ منذ تأسيسها، وعلى الرغم من قصر المدّة التي قطعتها في هذا المجال إلاّ أنّها استطاعت أن تتقدم على من سبقتها من حاضرات المدن الأخرى، أمّا في زمن الدولة العثمانيّة فقد لعبت مدارس التعليم (الكتاتيب) دورًا مميزًا في منهجيّة وسير حياتها، والتي سبقت فتح المدارس التعليميّة الحكوميّة, وعلى الرغم من حصر التعليم على الكتاتيب في البيوت والمساجد إلاّ أنّه أعطى ثمارًا يانعةً عند تخرّج الطلبة وإرسالهم الى الحوزة العلميّة إن رغب بذلك, ويظهر إرسال المتفوّقين منهم الى الحوزة، لاستطاعته المضيّ قدُمًا في دروسها، فبقيت على هذه الحال حتّى فُتِحَت المدارس العثمانيّة إلّا أنّها لم تؤثِّر بوجودها على الكتاتيب, فنشأت المدرسة الرُشديّة سنة (1289هـ) وكانت لها تسمية أخرى وهي المدرسة (الزينبيّة), وتقول بعض الآراء أنّها من المدارس الحليّة القديمة التي أُنشئت أبّان عصرها الذهبيّ ونهضتها العلميّة والفكريّة في حياتها الماضية, أمّا الدواوين التي كانت تحتضن المجالس الدينيّة والحسينيّة والتعليميّة فلها بالغُ الأثر في الإرشاد والوعظ, ولها الأثر الراسخ والواضح في انتعاش الفكر والأدب ممّا ساعد على فهم المخطّطات الاستعماريّة والقيام بثوراتٍ لِطرد المحتلّين, ولذا نرى تحديد وتقسيم هذه الدواوين والمجالس إلى عدّة أقسام منها: المجالس الدينيّة، والحُسينيّة، والاجتماعيّة، وهذا ما يهمنا من هذه المجالس التي أعطت ثمارها في الواقع الحليّ. المجالس الدينيّة: كانت هذه المجالس تُعقد في المساجد, لكون هذه الرحبة مختصّة بالعبادة وممارسة الطقوس العباديّة والعقائديّة وكانت من أنشط المجالس وأخطرها على المحتلّ لما لها من تأثيرٍ مباشرٍ على وعي الفرد وتوجّهاته، ولذا سميّت بمجالسِ المساجدِ، وقد كان لكُلِّ محلّةٍ عددٍ من المساجد متوزّعة على أزقّتها وفروعها, وتعقد هذه المجالس خاصّة في شهري رمضان والمحرّم, وتمتاز بنشاطها المنبريّ الحُسينيّ في الوعي الدينيّ وإدامة إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام). وكان من أهم وظائفها، الوعي والإرشاد لبناءِ الإنسان بناءً كريمًا صحيحًا. وكانت المجالس والدواوين التي اشتهرت بها بيوت علماء الحلًة في حقب متفاوتة: يقول الدكتور عبد الرضا عوض في كتاب (مجالس ومنتديات الحلًة) ويصف لنا الدكتور محمد مهدي البصير في ذاكرته بعض تلك المجالس الحليّة في المرحلة التي عاشها البصير قائلاً: كانت الحلة في صدر هذا القرن أي (القرن العشرين) من أحفل مُدن العراق بالمجالس العامرة والأندية الأدبيّة الزاهرة, وكانت هذه أشدُّ ما تكون ازدهارًا في شهر رمضان, إذ يكثر غشيانها ويتضاعف عدد زوّارها أضعافًا مُضاعفة وتعلوها بهجة رمضان وبشاشته, وكُنت أختلف إلى الكثير من هذه المجالس وكان أحبّها إليَّ وأقربها من نفسي هي: مجلس حبيب بيك زعيم آل عبد الجليل، ومجلس آل السيد حيدر الحليّ الشاعر المعروف، ومجلس حسن القزويني( ويستطرد الدكتور البصير) أمّا مجلس حبيب بيك فإنّه همزة الوصل بين القديم والحديث ليلتقي فيه الأفندي بالشيخ، والمُحافظ والمُتجدّد، ويدور الحديث حول الحكومة وعن كل ما يدور في البلد، فمجلس السيد حيدر الحليّ, مجلسُ أدبٍ منذ نشأته يزوره عددٌ من الشيوخ ولكنّه قليل الوافدين إليهِ إلاّ في بعض المواسم كشهري محرم ورمضان المعظّمين، وللسيد حسن القزوينيّ (طيّب الله ثراه) مجلسان, أحدهما عام يدخله أيّ شخص والثاني خاص, للأدباء والشعراء وأصحاب الفضيلة من طلبة العلم، فيما ذكر المصدر نفسه (إنني لأذكرُ الآن تلكَ المجالس المُبهجة والاجتماعات السارّة والنافعة معًا فأحنُّ إليها حنين الشيخ لِصباه, والسقيمُ لِعافيتهِ, ليس لأنّها مجالسُ علمٍ وفضل وأدب, بل لأنها مجالسُ وفاء وصفاء يسودها الود المُتبادل والثقة والحُب لا يشوبَه خداع أو رياء ). تميّزت الحلّة بمجالسها الفكرِيّة والأدبيّة والعلميّة، ومن مجالسها آنذاك مجالس آل قزوين, ولقبهم هذا يعود الى أجدادهم الذين سكنوا بلاد قزوين سابقًا, وكان اهتمامهم بالعلوم الدينيّة والفتاوى الشرعيّة والمجالس الأدبيّة, وأوّلُ من سكن مدينة الحلّة, منهم: السيد مهدي بن الحسن القزوينيّ, ومن مجالسهم: مجلس السيد حسن القزوينيّ: ويختّصُ أغلب أوقاته بالمجالس الأدبيّة والتي تُقرأ فيها قصائد الشعر ومُباراته فيما بينهم. مجلس السيد مرزا القزوينيّ: ويختلط في أنواع العلوم والآداب, ففيه مجالس الفقه, ومجالس الأدب من شعرٍ ونثرٍ وشعائرَ حُسينيةٍ, إمتاز بها هذا المجلس عن غيره, وموقعه على شط الحلة. مجلس أولاد وأحفاد السيد مهدي القزوينيّ: مجلس عامر حتى ساعات الليل المتأخرة. المجالس الحُسينية: تمتد جذور هذه المجالس إلى عام (61هـ) حيث واقعة أحداث التغيير الكونيّ لصاحب المُصاب الشهيد الأوحد أبي عبد الله الحُسين (عليه السلام)، وما جرى على أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل, إذ تذكر المصادر حينما ألقت الحوراء زينب الكُبرى خطبتها العصماء وما تبعها من أصوات تعالت بالبكاء والتأثّر بالفاجعة الكُبرى, فقد بلورت كلماتها حقيقة الطف وبيان مظلوميّة آل محمد, إذ قدّمت عقيلة الطالبييّن(عليها السلام)، وهي تجودُ بلغةِ أبيها من بلاغةٍ وفصاحةِ لسانٍ حتى فضحت آل أميّة بما فعلوا بسيد شبابِ أهل الجنّة وفي مجلس يزيد (لعنه الله) أقيم مجلس عزاء حُسيني نصبته الحوراء في إظهار مظلومية الحُسين (عليه السلام), وأصبحت جذر كُلّ مجلس لآل محمد في استذكار وإحياء أمر آل محمد (صلّى الله عليه وعليهم أجمعين). أما في زمن تأسيس وتمصير الحلة الفيحاء وعند انتقال الأمير صدقة بن منصور, فقد أقيم أول عزاء في الحلة, وقد حضره جمعٌ من الأشرافِ من آل معية وآل طاووس وآل الأعرج في الخامس من المحرّم / 495هـ, ومن الذين وفدوا الحلة مع الأمير صدقة وهم جمعٌ كبير وأُشيع قراءة قصيدة الشاعر(الحسين بن الحجّاج)النيليّ (ت391هـ / 1001هـ) والذي أنشد بحق الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قصيدة منها : يا صاحب القبة البيضاء في النجف من زار قبرك واستشفى لديك شفي زوروا أبــــــا الحسن الهادي لعلّكم تحضون بالأجرِ والإقبــــال والزلفِ زوروا لمن تسمع النجوى لديه فمن يزره بالقبر ملهوفاً لديه كفي إذا دخلت فآحرم قبل تدخُـــــلَهُ مُلبيّاً واسع حوله وَطُــــــــــــــفِ حتى إذا ظفت تتبعاً حول قبته تأمل الباب تلقى وجهه فقــــــفِ وقُل سلامٌ من الله السلام على أهل السلام وأهل العلمِ والشرفِ وعُدّت هذه القصيدة من أوائل القصائد الحليّة التي نُظّمت وأُلقت بحق آل البيت (عليهم السلام), وظهر عدد كبير من الخُطباء والشعراء وأشهر خطباء هذه المجالس من الذين أدركنا بعضًا منهم: السيد أحمد العميدي، السيد أحمد بن مرزا القزويني، السيد سعيد النجار،السيد صالح الحلي (1359هـ)، الشيخ باقر حبيب القارئ، الشيخ حسين الشهيّب، الشيخ سعيد الخيّاط، الشيخ محمد رضا الشهيّب، الشيخ محمد أبو شلال، الشيخ محمد اليعقوبيّ ـ صاحب البابليات، الشيخ (ميران ـــ عبد الأمير محمد علي شويليّة). لقد أصبح للمساجد دورٌ مهمٌ فقد صارت مركزًا مشعًا للتوعيةِ والإرشادِ وإحياءِ ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام), والدور الفاعل في تثقيف الناس وتوعيتهم وتربيتهم على النهج الصحيح, وباتت هذه المجالس عنوان للوعي الدّينيّ الحُسينيّ في آنٍ واحد، وقد مُنِعَت هذه الوسيلة وهذه المجالس وغُلِقَت المساجد في الأحياء والمُحافظات الشيعيّة التي تُمارس إحياء فاجعة كربلاء, من قبل أزلام النظام البائد. المجالس الأدبيّة إن للمعالم العلميّة والفكريّة في مدينة الحلة الأثر في تعميق الوعي عند أهل المدينة في جميع الجوانب الحياتيّة فهي تمتاز بمدارس معروفة ومهمّة، وقد نتج عن ولادة جيل معرفيّ أدبيّ أضفى لمدينة الحلة مواصفات المدن المتحضّرة إرثاً كبيرًا متميزًا وقد أحاطت نفسها بكل ما تفتخر به الأمم. ومن أهم المجالس التي توزّعت على أطرافها في المحلات والأزقة هي: مجالس الصور الكبير محلة الجامعين: مجلس جاعد آغا، مجلس آل علوش، مجلس آل عوض، مجلس السيد حسين الصّافي. محلة المهديّة: مجلس آل الطريحي، مجلس عبد الكريم شبيب البغداديّ، مجلس بيت حمادي الحسن(أبو كصّة)، مجلس آل الخواجة، مجلس آل مرجان. محلة الكراد: مجلس السيد مهدي الشلاه، مجلس آل مهاوش، مجلس آل شّبر، مجلس حسّان إبراهيم، مجلس الشاعر حسّان إبراهيم خليل الجبّاوي. محلة الجباوين: مجلس اسطة جابر، مجلس آل الفلوجي، مجلس آل ملّا إبراهيم، مجلس آل الخطيب. محلة الطاق: مجلس السيد علي عمران الشلاه، مجلس السادة آل وتوت. محلة الهيتاوييّن: مجلس آل الواعظ. أما مجالس الصوب الصغير فكانت: محلّة الورديّة: مجلس آل البرّاك، مجلس محمد سامي بيك، مجلس آل سماكة. محلة الكلج: مجلس آل جريدي. محلة كريطعة: مجلس البيرمانييّن.