متاحف
الباص الخشبي يغادر الحلة
يوم دخل الباص الخشبي الحلة، عام 1927 إلتف الجميع حوله، ينظرون إلى هذا الوحش بدهشة واستغراب، وبعضهم ارتمى تحته ليرى كيف يسير دون قوائم، وقد ألفوا العربات التي تجرها الحمير والبغال والجياد، أو (الروان) الخشبي الذي تجره الحيوانات، أو (الكاري) الذي يسير على القضبان وتسحبه الحيوانات، وما أن هدر محركه حتى تفرقوا مذعورين، لايجرأون على لمسه أو الإقتراب منه. كان باص الخشب وسيلة خلفّها الإنكليز لنقل الأحمال، إلا أن الحاجة استدعت الناس إلى نقل (العبريه) فيه، أي العابر أو المار، بينما أستغل سطحه والدكة الخلفية لنقل المحاصيل الزراعية، و(المفلسين) الذين يتعلقون بمؤخرته. يصنع الهيكل الخارجي للباص من أخشاب الجاوي والصاج، وتغلف جوانبه الخارجية من الخشب المطلي أو (الفورميكا)، وقد اشتهرت الحلة بـ(اسطوات) مشهورين بهذه الصناعة دون باقي المحافظات العراقية، لأن دخول الباصات كان مبكرا إلى لحلة، ويتكون الباص من ثلاثة أجزاء، الأول هو قمرة القيادة، إضافة إلى مقعدين أماميين، أما الجزء الأوسط فيضم ستة مقاعد متقابلة، والجزء الأخير يتكون أيضا من مقاعد متقابلة وباب خشبي جانبي لنزول الركاب، وقد يحبذ الأطفال الجلوس على هذه الدكة، وهم يهتفون (هذا سايقنا الورد هسة يوصلنا ويرد)، كما يحتوي الباص على عشر نوافذ بزجاج متحرك ( سلايد ) على الجانبين . يقول السائق حميد ناجي : إن سعة الباص ثمانية عشر راكباً، ولكن أصحابها عادة يحملونها ضعف العدد فيضطرون إلى الوقوف، وكان القانون يفرض ترميم الباص المستهلك وليس تبديله، مما مكّن (الدريول)، كلمة مشتقة من (Driver) السائق، من اكتساب خبرة في إصلاحه، وأعمال الصيانة لا تقتصر على الميكانيكي ، وإنما يتفنن النجار بزخرفة وطلاء ألواح الخشب التي تؤلف هيكله، وكان الناس يفضلون الإرتقاء على سطحه، عوضا عن داخله، ويتميز هيكله بالمتانة حتى تتحاشاه باقي المركبات، أما محركه فغالباً ما يكون ذا ست سرعات. أما جابر حسوني وهو من سائقي الباص القدماء فيقول : إن دخول الباص الخشبي إلى الحلة كان أواخر العشرينيات، وكانت مصنّعة من قبل شركة (شيفروليت الأمريكية)، وهي بمواصفات متشابهة باستثناء بعض الإختلافات في قوة محركاتها، حسب الطراز (الموديل)، وكان الباص الخشبي يجوب مناطق الحلة وأقضيتها، قبل أن تعبد شوارعها، مما يدعو السائقين إلى شد عجلات مركباتهم بسلاسل حديدية لزيادة احتكاكها بالأرض خوف الإنزلاق أو الغوص في الطين، وكانت أجرة الركوب زهيدة (4عانات، 16 فلسا)، وبدأ الباص بالإنقراض لإنعدام استيراد قطع الغيار، فلجأ أصحابها إلى الترقيع، أو استبدالها بأجزاء السيارات المتهالكة. يقول مفوض المرور سامي لطيف : كانت الباصات الخشبية، منتصف القرن الماضي، تعرقل إنسيابية المرور، لبطئها وعطلاتها المفاجئة، كما إنها تفتقر لشروط السلامة والأمان، لتعطل فراملها أو لتسلق الركاب على سطحها، ولايملك أغلب أصحابها إجازة سوق عمومي، وعدم تسجيل اللوحات في شرطة المرور. ويشير وحودي راضي الذي هجر هذه المهنة منذ عقود : لقد عملت في هذه المهنة منذ خمسينيات القرن الماضي، وكانت مهنة لها أصولها ورجالها وكان سائقو الباصات معروفين بالشهامة، وكنا نقّل الفقير بدون أجرة، وكان عدد الباصات في أوائل الخمسينيات مئتي باص، ولكنّ هذا العدد بدأ بالتناقص، وكان كراج الحلة موقفا للباصات، كما كان السواق يزينون بدن الباصات بصور وكتابات لا تخلو من حكمة وطرفة، من قبيل (سيري وعين الله ترعاك) و(لاتسرع يابابا نحن بإنتظارك)، ويضعون تعاويذ وأدعية لتحرسها والراكبين. ويستخدم الباص الخشبي كذلك لنقل المحاصيل الزراعية من القرى إلى الحلة، أو لنقل المسافرين من الحلة إلى المدن المقدسة، أونقل الحجاج لأداء مناسك الحج و العُمرة، و كانت أبدان الباصات تُركَّب على هياكل اللوريات المستوردة، وتصنّع أجزاؤه الباقية محلياً، والمقاعد مغلفة بالإسفنج والجلد، وقد دخل مصطلح (دگ النجف) للدلالة على باص الخشب، وقد بدأ تحوير هيكلها إلى الحديد بدلا من الخشب، أو تحويلها إلى سيارات إسعاف عند الضرورة. هكذا غادر الباص الخشبي شوارع الحلة، بعد أن أوقف الزمن عجلاته عن الدوران، وبات امتلاكه هواية، ولكنه يبقى جزءا من تراث الحلة وماضيها، ليرقد بسلام وبطء في أروقة التراث.