تاريخ الحلة
الحلّة عاصمة الدولة الجلائريّة
شهدت مدينة الحلّة أحداثًا كثيرةً، عصفت بأمن واستقرار أهلها المحبّين للسلام، وعلى الرغم هذه الأحداث كلّها إلّا أنّهم باتوا شارحين صدورهم متمسّكين بولائهم لآل بيت الرسالة المحمديّة، فاتحين أبواب بيوتهم على مصاريعها لنور العلم والأدب الذي كان ينير دروبهم فيشدّ من عزيمتهم ويدفعهم للتزود منه، وما آل إليه أمر هذه المدينة الصابرة في صراعها مع المستعمرين تارة، ومع العشائر تارة أخرى، وقد أصبحت في هذه المرة عاصمة للدولة الجلائريّة بعد صراعها مع القرة قوينلو، إذ كان حاكم بغداد آنذاك القرة قوينلّي الأمير شاه محمد بن قرة يوسف ضعيفًا، ولم يكن له أيّ نفوذ خارج أسوار بغداد، بينما رضخت الحلّة إلى شيوخ العشائر وبالذات شيوخ قبيلة خفاجة المجاورة للمدينة. وفي خضم تلك الأحداث المتسارعة والحسابات السياسيّة المتوتّرة استطاع الجلائريّون من مغادرة العراق باتّجاه الأحواز وتأسيس دولتهم الجديدة في ظروف بالغة التعقيد، متّخذين من مدينة(تستر) عاصمة لهم، وقد ذكر الباحث المستشرق(ستانلي لين)في كتابه الموسوم(تاريخ الدول الإسلاميّة ومعجم الأسر الحاكمة) بقوله: " بعد أن استقرّ الجلائريّون في الأحواز دخلوا في صراع مع قبائل المنتفق الذين يقودهم مانع بن شبيب حول البصرة حتى انتزعوها منهم سنة(820هـ/ 1417م) وبسطوا نفوذهم على مدينة واسط والأقسام الجنوبيّة من العراق "، وقد دخلوا في مصاهرات مع شيوخ العشائر العربيّة من أجل توحيد الهدف ورصّ الصفوف ضدّ القرة قوينلو. وذكر ابن حجر العسقلانيّ في كتابه(أنباء الغمر بأنباء العمر) قائلاً: " عندما تولّى السلطان أويس الثاني بن شاه ولد الحكم سنة (822هـ /1419م) قاد حركة استرداد واسعة كان الهدف من ورائها الاستيلاء على العراق وإخراج القرة قوينلّو من بغداد فهاجمها سنة (824هـ /1421م) إلّا أنّه لم يتمكن من الدخول إليها فعاد إلى تستر مركز حكمه ". واتّضح للجلائريّين أثناء صراعهم مع القرة قوينلّو أنّ السيطرة على واسط والبصرة لا تمكّنهم من تحقيق نصر حاسم فلا بد من البحث عن نقاط الضعف التي تمكّنهم من فرض الحصار على بغداد وتطويقها من الجنوب ويتمثّل ذلك بالسيطرة على الحلّة وهم بذلك(يضربون عصفورين بحجر واحد)، فيحقّقون غايتين هما: حصار بغداد ومنع وصول المواد الغذائية إليها من جهة، واتخاذها من جهة أخرى مركزاً ومنطلقاً لهم في حربهم، لوجود تجمّعات عشائريّة قويّة في الفرات الأوسط وهي معادية للقرة قوينلّو، ولاسيما (آل فضل) وأحلافهم وأميرهم عذرا، فبعث إليه السلطان (أويس الثاني بن شاه ولد) وفداً رفيع المستوى يرأسه شخص يقال له (أبو علي الأنباريّ)، وأخذ يتعاون مع القوى التي تصدّت للقرة قوينلّو، ودخل أبو علي إلى الحلّة عن طريق الأنبار يرافقه أخوه ناصر الدين علي وهما يحملان رسالة السلطان إلى عذرا طالبًا منه المحافظة على مدينة الحلّة مقابل مبلغ من المال، وأن يتعاون الطرفان على محاربة القرة قوينلّو ويمنعان سقوط المدينة بأيديهم، وتمّ الاتفاق كذلك على تسليم حكم المدينة إلى السلطان أويس الثاني بن شاه ولد وانسحاب نائب عذرا منها، وبعد أن تمّ استيفاء المال المتّفق عليه من السكان انسحب نائب عذرا من المدينة وتولّى حكمها أبو علي الأنباريّ سنة (824هـ) بالنيابة عن السلطان، الذي وصف بحسن السيرة وحسن إدارته للمنطقة على الرغم من مدة حكمه القليلة نسبيًّا للحلّة، إذ حكم المدينة نحو أربعة أشهر فقط، ثمّ قدم السلطان أويس الثاني بن شاه ولد بنفسه إلى الحلّة للمباشرة بوضع الخطط لاستعادة بغداد من القرة قوينلّو. إنّ وصول الجلائريّين إلى الحلّة واتخاذها قاعدة خلفيّة لهم عزّز مكانتهم في صراعهم مع القرة قوينلّو فضلًا عن قربها من بغداد وغناها الاقتصاديّ ودعم العشائر العربيّة المحيطة بها. وما أن سمع أهالي بغداد والحلّة وبعقوبة بوصول الجلائريّين إلى الحلّة حتى أثار شعور المواطنين في تلك المدن وأشعل فيهم روح الحماس للانتقام من الغزاة القرة قوينلّو، وقد شهدن نشاطاً مكثّفاً غايته الأساس التعاون والتعاضد فيما بينهم من أجل التخلّص من المحتلّين، وجرت اتصالات ومراسلات بين وجهاء بغداد وأعيانها مع بعض أمراء الأمير شاه محمد حاكم بغداد المعارضين لسياسته من جهة، وبين أهالي الحلّة وبعقوبة القريبتين من بغداد من جهة أخرى، دعوا فيها الجلائريّين في الحلّة لإنقاذ بغداد من حكم القرة قوينلّو، مستغلّين في ذلك انشغال الأمير شاه محمد وأخوته في حبك المؤامرات بعضهم ضدّ البعض الاًخر، وانقسام موظّفي الإدارة بين مؤيّد لهذا الأمير ومناوئ لذاك. ويبدو أنّ مخطّط الانتفاضة ضدّ القرة قوينلو وإخراجهم من بغداد لم يستمر طويلاً فلقد اطّلع الأمير شاه محمد على هذه المراسلات وشخّص أسماء قادة الحركة، ثمّ ألقى القبض عليهم سنة(825هـ /1421م)، بما فيهم وزيره مسعود شاه وعدد من ضبّاط جيشه منهم الشيخ علي الصغير، والأمير حسن بن زكريا، وابن أخته زين العابدين، وبعض وجوه أهل الحلّة الذين وصلوا إلى بغداد من أجل الشروع بالحركة منهم السيد فخر الدين الأعرج، وناصر الدين المخزوميّ وأخوه علي المخزوميّ، وبعض وجهاء ديالى منهم: الصدر علي من الخالص، وإبراهيم التمغاجيّ في بعقوبة، وعلي الحرباويّ، وآخرون، وتمّ قتلهم جميعاً. وعلى الرغم من فشل هذه الحركة لكنّها زعزعت حكم القرة قوينلّو في بغداد، فقد ذكر المؤرّخ الغياثيّ في تاريخه) قائلاً: " إن قادة الجيش ورؤساء الإدارة فقدوا ثقتهم بالأمير شاه محمد فتمردوا عليه، وكان في مقدمة هؤلاء المتمرّدين أمير ديوانه في بغداد الوزير (طورسون)، الذي استاء من تهاون الأمير شاه محمد، وغفلته وسياسته غير المتوازنة، فقاد جيشًا قوامه أربعمئة شخص من أعوانه سنة (828هـ/1423م) وسار بهم نحو الحلّة التي كان يحكمها أبو علي الأنباريّ نائب السلطان أويس الثاني بن شاه ولد، الذي عاد إلى حكم المدينة في العام المذكور آنفًا، وهكذا عادت المدينة إلى حكم طورسون ".