تاريخ الجنوب

مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. الحوراء في يوم الحسين سلام الله عليه

مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. الحوراء في يوم الحسين سلام الله عليه

الحوراء في يوم الحسين سلام الله عليه بقلم: الأُستاذ توفيق الفكيكيّ مجلّة الغريّ: العدد 7 - 8، السنة السابعة 1945م ، 1946م، الصفحة 119 - 122. الحوراء في يوم الحسين سلام الله عليه في تاريخ جهاد المرأة العربيّة معجزات عجيبة باهرة، وآيات من البطولة مدهشة ساطعة بالنور، هي أُغرودة الأجيال، وأُنشودة الزمان، ما دام للعرب تاريخ وضّاء تفخر به، وتشمخرّ أُمّة الضاد في يوم الرهان. وفي سجلّ الحرّيّة العربيّة صفحات لامعة مشرقة، تنطق بقدسيّة نضال الحرائر العربيّات الخالد على مرّ العصور، وكرّ الدهور.. وفي الجاهليّة والإسلام كان للخفرات من الفواطم الهاشميّات جولات ووثبات في ميادين الشرف والكرامة، وتضحيات غاليات في سبيل نصرة الحقّ والعقيدة، وأريحيّات وحميّات للذود عن الحمى، والذبّ عن حياض المجد المؤثّل. أجل! كان للحرائر الغالبيّات، والعقائل العلويّات في كلّ نهضة تحريريّة، وثورة استقلاليّة مباركة تُثار؛ لنصرة الفضيلة، وإعلاء كلمة التوحيد، ورفع لواء العدل، صولات وصيحات مدوّية في وجوه الغاشمين المضطهدين، وغضبات صارخات ارتعدت منها فرائص المستبدّين الجائرين، وأقضّت مضاجع الجبّارين المتكبّرين، حتّى زعزعت تلك الصرخات القويّة أركان سلطانهم، وثلّت عروشهم، ونسفت حصونهم المنيعة، وقصورهم المشيدة، فكانت عبرة للمعتبر، وموعظة للمسترشد. لا أُريد أن أقف موقف المؤرّخ الباحث عن جلائل أعمال المرأة العربيّة في تاريخها الغابر والحاضر، بل أُريد أن يقف القارئ معي على ربوة الطفّ، تلك الربوة أو الهضبة التي وقفت عليها عقيلة آل محمّد، السيّدة الحوراء زينب الكبرى؛ لتشرف على حومة الوغى، وتشاهد بأُمّ عينها صراع الحقّ والباطل، والرشد والغيّ في ساحة الطفّ، وقد مشى فيها أبو الشهداء، وسيّد البهاليل من أُباة الضيم جذلًا مترنّحًا، يسير بين يديه أنصاره الغطاريف المناجيد الأبرار، غير مبالين بالموت الأحمر، ولا هيّابين لملاقاة صفوف صناديد الأعداء، يهتزّون فرحًا بالفوز الأكبر، وهو نيل شهادة الجهاد والكفاح في سبيل المبدأ وحرّيّة العقيدة. وقفت الحرّة الحوراء لترى مغبّة المكر، وعاقبة الغدر، ومصير الختل والمراوغة، وخاتمة نقض العهود والمواثيق، ومآل الكيد والدسّ والخيانة، التي ارتكب جنايتها المجرمون الأشقياء من أشرار الكوفة وأهل الفجور والدعارة، ودعاة الرذيلة من حزب يزيد اللعين، بل حزب الشيطان المهين، ألا إنّ حزب الشيطان هم الأخسرون. وفي هذا الموقف المرعب الرهيب، والمشهد المفزع المخيف، والمنظر القاتم الهائل، تجلّت قوّة الشخصيّة العظيمة في كريمة حيدر، وبنت الزهراء، وظهرت عظمتها النفسيّة، وسموّ تربيتها العلويّة، وبرزت معاني الوراثة النبويّة في خلقها الكامل. شخصت ببصرها إذا الحرب قد حمي وطيسها، واشتدّ كربها، وقوي بأسها بين جند الحقّ وجيوش الباطل، فتصاولت القروم، وتناجت الفرسان، وحمحمت الخيول، وتعالى صهيلها، وتقدّم قشاعم هاشم المغاوير، وكان هبوبهم للطعان هبوب الرياح الزعازع، وثباتهم في المجالدة كثبات الجبال، حتّى ارتوت مواضيهم من مشارع النحور والهام، وحجّلوا الخيل بدماء الناكثين، حتّى خرست الأبطال، ونطقت رماح الأنصار، وهم أبناء الغايات البعيدة، وليوث الغابات المشتجّرة بصوارم الكماة المرهفة. ثمّ انجلت الغبرة، وانتهت المأساة الموجعة، فإذا بأرض الطفوف، وبطاح الغاضريّة أُرجوانيّة قانية بدماء الشهداء الزكيّة، ومفروشة بأجساد المساعير الأطياب، وقد تقوّضت خيام عليا نزار على الأرامل والأيامى من ودائع الهدى والرسالة، وعقائل الوحي والنبوّة، وفي أطرافها تلتهب النيران، تشبّها أيدي الطغاة الغواة الغادرين من أوشاب الكوفة، وأوغادها اللئام. وأمام مخيّم بيت الوحي المطهّر أشلاء سادات الدنيا منبوذة في العراء، تتسابق على صدورها المقدّسة خيول القساة المعتدين، بعد أن قضى عليها حرّ السيوف، ووقدة العطش، وشدة القيض ولظاه. ثمّ قام أراذل الكوفة، وعبيد يزيد الأنذال، وكلاب عبيد الله ابن زياد القذر، فأطلقوا يدهم الخبيثة في نهب أموال الحرائر المخدّرات، وسلب ثياب العقائل المصونات، فهذا علج يجاذب الرباب رداءها، وهذا وزغ يغتصب من سكينة براقعها، وهذا دنيء سافل يجرّ من تحت أُمّ كلثوم بساطها، وهذا كلب عقور يعتدي على كرامة العليل ريحانة السبط زين العابدين. أمّا الخرائد من آل المصطفى فمنهنّ المذعورة الحيرى تلوذ بزينب الكبرى، ومنهنّ الهائمة على وجهها حول الخيام المحترقة، وهكذا حال الأطفال الأيتام بين صارخ يتعلّق بأذيال الحوراء، ومعوّل يستغيث بعدوّه الجبّار، ولا مغيث يغيثه، ولا رحيم يرحمه، وقد فقد المعين والناصر، وعدم الدافع والمحامي إلّا حامية الأضعان الدامية الأجفان الحرّة الحوراء عليها السلام. وبهذه (...) حُملت الضعائن العلويّة على الأقتاب بلا وطاء ولا غطاء، وقد قُيّدت بالسلاسل والأغلال، تتقدّمها رؤوس السادة البهاليل على الرماح، تاركة وراءها أشلاء الإخوة والأحبّة وكرام العشيرة طعمة للوحوش والذئاب. قل لي بربّك! أيّ بطل مشيح يقف موقف الحوراء في تلك الساعة الرهيبة وقد انهالت عليها المصائب، ونزلت لساحتها النوازل والكوارث لا يتصدّع قلبه، وينخذل عزمه، وأيّ ضرغام من أُسود الرجال يقوى فؤاده على تلك الصدمات الشديدة، واللزبات المفجعة. وأيّ صنديد من صناديد الدنيا لا تذوب حشاشته، ولا تتهدّم أعصابه في مثل هذا المشهد الدمويّ، الذي طُحنت فيه جماجم الأعاظم من شباب هاشم، وأطفال الفواطم بسلاح الغدر والجور، وأيّ شجاع مهما صيغ قلبه من الحديد، ومهما تمرّس بالآفات وخرسته الحروب لا يرقّ للرضيع المتخبّط بدمه، ولحشاشات الصغار المتفطّرة من شدّة العطش، ولفعلة اللئام في الخيام، وتعليق جماجم لهاميم العرب الأحرار على الرماح. ولكنّ عقيلة آل محمّد الحرّة الحوراء كانت في موقفها الجبّار أشجع من شجاع، وامتن من أُسود الرجال، وأقوى من صنديد مسعار، وأشدّ قلبًا من قلوب الضراغم، وأجرأ من ليوث العرين، وأزأر من لبوة الغابة. فقد أبت عليها شناشن أبيها الكرار الخذلان، وأبى عليها إباء أخيها الحسين أن تفقد صبرها وحلمها، وأبت عليها شريعة جدّها وتقاليدها الهاشميّة أن يشغلها البكاء والوهن عن أداء الأمانة المقدّسة، التي عجزت عن حملها الأرض والسماوات والجبال وحملتها الحوراء، وقامت بأدائها بكلّ صدق وإخلاص. دخلت حامية الضعائن زينب الكبرى عليها السلام الكوفة، وهي على الحال التي وصفناها، فشاهدت نساء الكوفة ورجالها وصبيانها يبكون وينوحون، فنادتهم وهي تزأر زئير اللبوة الكريمة، (الحمد لله، والصلاة على أبي محمّد وآله، أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثًا. أتبكون وتنتحبون، أي والله، فابكوا كثيرًا، واضحكوا قليلًا، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها... ويلكم أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم، وأيّ كريمة له أبرزتم، وأيّ دم له سفكتم، أفعجبتم أن مطرت السماء دمًا، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنصرون، فلا يستخفنّكم المهل، فإنّه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإنّ ربّكم لبالمرصاد). ثمّ أُدخل السبي على الهوادج والمحامل في قصر الإمارة بين يدي ابن مرجانة سليل الأنجاس والأرجاس، ووضعوا أمامـــــه رؤوس الأشراف الكرام، وهو محاط بزمر النفاق، ودعاة الشقاق، وعبيد العصا، وكان ثملًا بخمرة النصر الكاذب، وكانت الحوراء قد جلست مكانًا متنكّرة، فتعرّض بها، وتحدّى مقامها الرفيع بلا خجل ولا حياء، ومن أين له الحياء وحسن الأدب، فقال لها بوقاحة وصلف: أرأيت صنع الله بأخيك الحسين، والعتاة المردة من أهل بيته، فقالت والإيمان بملأ قلبها، واليقين حشو ضلوعها، غير مكترثة بجيروته وبطشه: (ما رأيت إلّا جميلًا، هؤلاء قوم كُتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتُحاجّ وتُخاصم، فانظر لمن الفلج، ثكلتك أُمّك يا ابن مرجانة). فانظر إلى هذا القول السديد، والكلام الحكيم، والجرأة القويّة، والأدب العالي الرصين، ثمّ إلى هذه البصقة الكبيرة في جبين ذلك الطاغية، وهو في دست الحكم، وفي قصر الإمارة، ومن حواليـــه عساكره الغلاظ الشداد، فما صدر منه إلّا بما يليق بحسبه اللئيم، ونسبه الخسيس، فقال: الحمد لله الذي قتلكم، وفضحكم، وأكذب أُحدوثتكم، فأجابته غير هيّابة ولا خائفة بقولها البليغ: (إنّما يُفتضح الفاسق، ويُكذب الفاجر، وهو غيرنا). قالت هذا القول الفحل، وهي والخفرات اليتامى من آل محمّد في قيد الأسر وحرّ الحديد، وقد نُصبت فوق رأسها حراب الفاتحين، وشُهرت سيوف الشامتين، ومع ذلك لم تخرس تلك الحراب والقواضب لسان الحوراء الذرب، أو يطيش حلمها، وتبلد فطنتها، ولو وقع أقلّه لأيّ إنسان لما استطاع إلّا التلجلج والصمت والاستخذاء. أمّا الحوراء فما عرفت في هذا الموقف الحرج للذلّة معنًى، ولا أحسّت للخور والرهبة في نفسها مكانًا، حتّى أذلّت الجبّار المعاند، وأنزلته من علياء جبروته محتقرًا مهانًا، ومتسربلًا بثوب الفشل قائلًا: لعمري إنّها لسجّاعة، ولقد كان أبوها أسجع منها، وأين هذا من ذاك، وهل تستوي الظلمات والنور. وبعد، فقد أُدخلن الحرائر والخفرات الطاهرات على عيال ابن مرجانة، وذراري سميّة ذات الأعلام، وهنا نمسك عنان القلم، ونكتفي بشعر دعبل (رحمه الله): فآل رسول اللّه نحف جسومهم وآل زياد حفل القطرات بنات زيـاد في القصور مصـونـة وآل رسول الله في الفلوات أمّا الموقف الذي يهزّ القلوب، ويحرّك النفوس، ويلهب الأعصاب، فهو ذلك الموقف التاريخيّ العظيم الذي وقفته بنت الزهراء البتول في البلاط الأُمويّ في الشام، ذلك الموقف الرائع العجيب الذي فاق بروعته الباهرة، وبلواعج أشجانه المشجية، ودعايته السياسيّة الذريعة مواقف أنصار الحسين الحربيّة الفائقة. فماذا كان يا ترى !! وصلت سبايا آل البيت عليهم السلام عاصمة أُميّة، كأنّهم أسرى من أُسارى الروم، ولا أُريد أن أحزنك كيف استقبلهم رعاع الشام، وعبيد التاج الأُمويّ الأوباش، وسماسرة السياسة الخرقاء، ولكنّه بعد التشهير والشماتة أُدخل السبي على يزيد صاحب الخمور والطنبور، وهو جالس على السرير المغصوب، تحفّه الجبابرة سلالة الأعياص والعنابسة، وهم ينظرون شامتين بآل رسول الله الميامين، مقرّنين بالأصفاد والأغلال من نساء وأطفال، فهشّ وبشّ يزيد فرحًا وسرورًا، ثمّ انطلق ينشد: ليت أشياخي ببدر شهدوا ... إلخ. فاهتزّت أريحيّة الحرّة الحوراء، وجاش صدرها، وغضبت غضبتها العلويّة، فصرخت في وجه الملك الجبّار المستهتر، غير عابئة بمظاهر البلاط الأُمويّ، ولا بسلطانه القاهر، فخطبت خطبتها الرنّانة البليغة، تلك الخطبة التي لمّا ينقطع رنينها في أُذن الدهر الخؤون، قالت عليها السلام: صدق الله كذلك حيث يقول: ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)). أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق بين يديك كما تُساق الأُسارى أنّ بنا على الله هوانًا، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسرورًا، حين رأيت الدنيا لك متوسّعة، والأُمور مستوسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا مهلًا مهلًا، أنسيت قول الله: ((وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ))، أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهنّ وأبديت ... كيف يُرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأذكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء، ثمّ تقول غير مستعظم ولا متأثّم: لأهــلّوا واستهلّوا فرحًا تهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فتردن وشيكًا موردهم، ولتودّنّ أنّك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت، حسبك الله حاكمًا وبمحمّد (ص) خصيمًا، وبجبرائيل ظهيرًا، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلًا، وأيّكم شرّ مكانًا وأضعف جندًا، ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك إنّي لأستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، وأستكبر توبيخك، لكنّ العيون عبرى، والصدور حرّى، ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند، وأيّامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل). تأمّل معي هذه الخطبة الناريّة، كيف جمعت بين فنون البلاغة، وأساليب الفصاحة، وبراعة البيان، وبين معاني الحماسة، وقوّة الاحتجاج، وحجّة المعارضة، والدفاع في سبيل الحرّيّة والحقّ والعقيدة بصراحة هي أنفذ من السيوف إلى أعماق القلوب، وأحدّ من وقع الأسنّة في الحشا، والمهج في مواطن القتال، ومجالات النزال، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي، وركوب أطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ، الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أُميّة وفراعنتهم في منازل عزّهم، ومجالس دولتهم الهرقليّة الارستقراطيّة الكريهة. ثمّ إذ هذه الخطبة التاريخيّة القاصمة لا تزال تنطق ببطولة الحوراء الخالدة، وبجرأتها النادرة قد احتوت على أدب النفس القويّة الحسّاسة الشاعرة بالمثاليّة الأخلاقيّة الرفيعة السامية، وسيبقى هذا الأدب الحيّ صارخًا في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر، وتعاقب الأجيال، وفي كلّ ذكرى لواقعة الطفّ الدامية المفجعة. وقد كان لهذه الخطبة الجبّارة ولغيرها من خطب العقائل النبويّة التي سنقوم ببيان أسرارها العجيبة عند سنوح الفرصة تأثير عميق في السياسة الأُمويّة، حيث نادت وندّدت - سلام الله عليها - بأنّ سياسة الفهود والقرود غير جديرة بسياسة البلاد والعباد، وصنّاجة الطرب لا تملك رقاب العرب، وأنّ سياسة الدم والتقتيل والعنف والتشريد وهتك الحرمات بالجور والظلم تثل العروش، وتديل بالدول، وتذهب بالسلطان، وفعلًا فقد أنهار كيان أُميّة، وما أبقت لأبناء عبد شمس في المشرقين من باقية. وقد صدق عميد دولة الأدب حجّة الإسلام شيخنا الأُستاذ الأكبر الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء بقوله: (وهل تشكّ وترتاب في أنّ الحسين - سلام الله عليه - لو قُتل هو وولده ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جبارًا، ولم يطلب به أحد ثارًا، ولضاع دمه هدرًا، فكان الحسين عليه السلام يعلم أنّ هذا عمل لا بدّ منه، وأنّه لا يقوم به إلّا تلك العقائل، فوجب عليه حتمًا أن يحملهنّ معه، لا لأجل المظلوميّة بسببهنّ فقط، بل لنظر سياسيّ، وفكر عميق، وهو تكميل الغرض، وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام، وتعود الناس إلى جاهليّتها الأُولى ... إلخ). هذه نبذة يسيرة من سيرة الحوراء عقيلة آل محمّد (ص)، استوحيتها من وحي الطفّ في يوم ذكرى عاشوراء، وأسأله تعالى أن ينفعنا ببركات وفيوضات العبقريّة الزينبيّة، لنخرج لمن تهمّهم تلك السيرة الشريفة سيرة شاملة وافية إن شاء الله تعالى.

صور من الموضوع ...

يمكنم الاتصال بنا عبر الهواتف ادناه :
00964-7804397474
00964-7717078301
او مراسلتنا عبر البريد الألكتروني :
turathofbasrah@gmail.com
العنوان : ذي قار - الناصرية - صوب الشامية - الزاوية مقابل فندق اور

للاستمرار، اكتب ناتج المعادلة الآتية :

للأسف، نتيجة خاطئة، حاول مجددا.


جاري التحميل ...

{{Msg.p}} ,
{{Msg.text}} .

لا يوجد اتصال بالانترنت !
ستتم اعادة المحاولة بعد 10 ثوان ...

جاري التحميل ...