أعلام
الشيخُ محمّد صادق الكرباسيُّ.. رِحلةُ العِلمِ والأدبِ
وُلِد في مدينةِ كربلاءَ المقدّسة بجوار المرقد الطاهر لأبي عبد الله الحسين عليه السلام في (20/10/1947) الموافق الخامس من شهر ذي الحجّة عام (1366هـ) من أسرةٍ علميّة، فوالده المرحوم آية الله الشيخ محمّد الكرباسيّ الذي أولاه رعايته كان أوّل أساتذته، في هذه المدينة التي تقدّست وتشرّفت باحتضان جسد سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام أبصر الشيخ محمّد صادق الكرباسيّ النور, فتصلّب عودُه على العلم, وانفتحت قريحتُه على الأدب, ونشأ وترعرع على يد العلماء, وتنقّل في المدارس العلميّة والحوزويّة والحلقات الدراسيّة حتّى لاح نجمُه في سماء المجد عالماً وفقيهاً وأديباً ومفكراً. كان من لطف الله تعالى بهذا الصبي أن يُولَد في هذه المدينة التي ارتبطت منذ قرون سحيقة بالعِلم, وتبوّأت مكانةً دينيّةً وعلميّةً وأدبيّةً بارزة وصلت في بعض المراحل التاريخيّة إلى زعامة العالم الإسلاميّ, فانتشرت فيها المدارس العلميّة التي أنجبت أفذاذَ العلماءِ والمفكّرين الذين كان لهم أثرٌ كبير في رفدِ الثقافةِ الإسلاميّة والإنسانيّة. لقد أفرز تاريخُ هذه الأسرة العلميِّ والفقهيِّ والأدبيِّ كثيراً من الآثار والمؤلّفات العلميّة والفقهيّة والفكريّة والفلسفيّة والأدبيّة, وحتّى السياسيّة والاجتماعيّة, وقد ساعد على إنماء هذا التاريخ الطويل والحافل بالمنجزات لهذه الأسرة عوامل روحيّة تربطهم بمكوّناتها الدينيّة والثقافيّة. ينتهي نسب الكرباسيّ الشريف إلى الصحابيّ الجليل مالك الأشتر النخعيِّ رضوان الله عليه صاحب أمير المؤمنين عليه السلام وقائد جيشه, فهو الشيخ محمّد صادق بن محمّد بن علي (أبو تراب) بن محمّد جعفر بن محمّد إبراهيم (صاحب كتاب الإشارات) ابن محمّد حسن بن محمّد جعفر الأخوند بن محمّد قاسم بن محمّد صادق (الشريف). انضمّ منذ بواكير عمره إلى حلقات الدروس العلميّة ونهل من علوم العربيّة والعلوم الفقهيّة إضافة إلى دخوله مدرسة السبط الابتدائيّة ولكنّه كان أميل إلى الدراسة الحوزويّة، فقد شدّه إليها حلقات ودروس المرجعين الكبيرين الميرزا مهدي الشيرازيّ والسيّد محسن الحكيم قدّس سرّهما. ما إن أكمل الكرباسيّ الدراسة الابتدائيّة حتّى تفرّغ للدروس الحوزويّة استجابة لطلب السيّد محمّد الشيرازيّ، فدرس البحثَ الخارج عند والده إضافة إلى استمراريّته حضور دروس الشيخ يوسف الخراسانيّ في مدرسة السليميّة، فنبغ بين أقرانه لذكائه وفطنته، ولم تقتصر دراسته على العلوم الدينيّة والحوزويّة مثل علوم العربيّة وكتب الفقه والشرائع، فقد كان بحقّ طالب علم لا يملّ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "منهومان لا يشبعان طالبُ علمٍ وطالب دنيا"، فكان الشيخ الكرباسيُّ مصداقاً ومَثَلاً لطالب العِلم الذي لا تقف أمامه الحواجز والعقبات دون الحصول على مبتغاه العلمي, فدرس التفسير والأخلاق والرِّجال، والحديث والتاريخ والفلسفة، والرياضيّات وفقه اللغة والعروض، وعلم الأديان والمناظرة, كما درس الكيمياء والجبر والفلك، والطب والصيدلة والأحياء، والجغرافية وغيرها من العلوم. وطبقًا لحديث الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله: " زكاة العلم نشره"، فقد شرع الكرباسيُّ يَدرُس ويُدرِّس في الوقت نفسه في مدرسة (بادكوبة) التي يتولّى شؤونها والده, فتخرّج على يديه كثيرٌ من العلماءِ الأعلام وبقي يرفدُ الساحةَ العلميَّة والثقافيَّة بعلومِه وآدابه. كان الكرباسيّ من المناهضين للنظام البعثيّ البائد، وله نشاطٌ في مقارعته، فضيّقت السلطة عليه فاضطرّ لمغادرة العراق إلى إيران وأقام في طهران، فكان يدرِّس فيها السطوح في مسجد مروي، ثمّ انتقل إلى مدينة قم المقدّسة وفيها وجد ضالّته المنشودة وهي حلقات العلم ولقاء العلماء، فحضر بحوث المراجع الكبار فيها وعلى رأسهم السيّد محمّد رضا الگلبايگانيّ، والسيّد محمّد كاظم الشريعتمداريّ، والشيخ كاظم التبريزيّ، إضافة إلى الشيخ شهاب الدين المرعشيِّ النجفيِّ صديق والده. كما توطّدت علاقتُه مع بقية العلماء والمراجع فتكرّرت زيارته لبيت آية الله العظمى محمّد حسين الطباطبائيّ، والشيخ راضي التبريزيّ، فنهل منهما المسائلَ الفلسفيَّة، فكانت إقامته في هذه المدينة من أخصبِ الفتراتِ العلميَّة التي مرّ بها في حياته. وفي أثناء إقامته في قمّ المقدّسة جاءته دعوة من السيّد الشهيد حسن الشيرازيّ لزيارة بيروت، فسافر إليها عن طريق دمشق وفيها زاول نشاطه العلميّ والفكريّ نظراً للحريّة التي يتمتّع بها هذا البلد دون غيره من البلاد العربيّة، وبعد سقوط الشاه عاد إلى قُمّ المقدّسة لزيارة والده المريض الذي توفّي بعد أيام قليلة من عودته. عاد الكرباسيُّ إلى بيروت وبقي يتنقّل بينها وبين قُمّ المقدّسة، وفي إحدى زياراته لإيران شهد تشييع جثمان صديقه ورفيق دربه في الجهاد والنضال السيّد الشهيد حسن الشيرازيّ. كان الكرباسيُّ دائم النشاط والمثابرة على بناء مؤسّسات لخدمة الدين والمذهب والعمل التبليغيّ والتوجيهيّ، واستطاع إنشاء مؤسّسات في بيروت ودمشق وطهران، وقمّ المقدّسة وقبرص ولندن. استقرّ الشيخ الكرباسيّ أخيرًا في لندن ليواصل نشاطه العلميّ والفكريّ، إذ بلغت مؤلّفاتُه أكثر من ألفين وثلاثمائة مؤلّف، توّجَها بالموسوعة الكبيرة (دائرة المعارف الحسينيّة) والتي لا يزال العمل بها مستمراً وقد أنجز منها أكثر من مائة مجلّد.
صور من الموضوع ...
نأسف ، لاتتوفر اي صور عن هذا الموضوع حاليا.