تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. من دروس الطف
من دروس الطفّ بقلم: الشيخ محمّد الجواد الجزائريّ مجلّة الغريّ: العدد 11 - 14، السنة التاسعة 1947م، 1948م، الصفحة 182 - 183. من دروس الطفّ تقدّم الوجود بتطوّراته، وتعالى بكماله، فتأهّل للوحي الإلهيّ، وعبرت عليه النبوات المقدّسة المحدودة متدرّجة ناشرة دروس الصلاح والإصلاح، وهو يتقدّم بين حدود الكمال، ويعلو من حدّ إلى حدّ، حتّى تأهّل للنبوّة المطلقة، وتجلّى بنبوّة خاتم الأنبياء محمّد العربيّ (ص). قام هذا النبيّ العظيم بنشر رسالة الوحي بين السيف والقلم، حتّى عمّت دعوته أنحاء البشريّة، وآمن بدروسها بين أوامرها ونواهيها الكثير من أحياء الصحراء ومدنها، وقبل أن يتمّ تطبيقها على عموم بني الإنسان، ويهتدوا بأنوارها اختار لقاءه مبدعه سبحانه. فلبّى دعوة ربّه، وفارقت روحه الطاهرة هذا الكون، وفازت بسعادة ما وراء الطبيعة. قام من بعده خلفاؤه أُمناء الحقيقة، يجدّون في تسيير الوجود إلى الأمام، ومهمّتهم نشر دروس النبوّة وتطبيقها على نوع الإنسان، بيد أنّ عشّاق الطبيعة نهضت بهم ميولهم إلى مظاهرها، فقاموا بمعاكساتهم وخلافهم، وأدّى ذلك إلى اضطراب في الأحوال، واختلاف في الأيدي، وتفرّق في الكثرات، وتفكّك في عرى الاتّحاد، وقعد بالوجود عن تقدّمه إلى الكمال المطلق. دام هذا الخلاف ودامت مآسيه ومساويه في أدوار مترامية، حتّى استحكمت الضغائن، وثارت الأحقاد بين الأفراد والجماعات، وابتعد الإسلام عن صدره، والخلافة الإسلاميّة تتداول بين أُمنائها وحافظي أسرارها على حساب التشريع الإلهيّ، فكلّما يقضي خليفة دوره ويلاقي ربّه راضيًا مرضيًّا يقوم خليفة مقامه، ويجاهد جهاده، ويواصل دفاعه عن حرّيّة العقيدة، وحرمة الدين. ولمّا حالت الخلافة عام (٦١ هـ)، وانتهى أمرها إلى الحسين بن عليّ عليه السلام، وتجلّى للوجود فجره المشعّ، وقد كانت نفس الحسين عليه السلام مجرّدة من غواشي الطبيعة، وهي في عالم الطبيعة تشاهد عالم الغيب، أو العالم غير المرئيّ، وتستطلع الماضي والمستقبل على حدّ سواء من دون أن تقرأ أو تسمع. فترى كلّ شيء على الوضع الذي هو فيه، نهض ابن فاطمة إذ ذاك بعبء الخلافة متذرّعًا بالإيحاء الإلهيّ، وهو يرى تطوّر العقيدة الإسلاميّة وتشعّبها بين الناس شعبًا لم تأخذ نصيبها من الرشد، ولم تطّرد على محورها الذي مثّله الوحي الإلهيّ. يرى المتهوّسين من عشّاق الطبيعة يردّون العقيدة الدينيّة إلى العقيدة السياسيّة، ويمزجون فصول العقيدة بفصول السياسة، يرى العقيدة الدينيّة بين طلّاب الحقائق مثالًا واهيًا كالألغاز والأحلام، لا يكيلون لها كيلها، ولا يحكّمونها على أغراضهم الشخصيّة. يرى أنّ مسألة التوحيد تنازلت بين الناس عن حدود اليقين، وأصبحت مسألة حدس وتخمين. يرى أنّ الأُمّة مرغمة على بيعة من لا صلة له بالتعاليم الإسلاميّة أحكامها وآدابها. يرى أنّ الحق لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه. يرى أنّ الأمر الذي يطوي هذه الأُمور جميعًا هو قيام الدولة الأُمويّة مقام الدين الإسلاميّ. ويرى غير ذلك ممّا لا تثبت عليه وحدتنا الإسلاميّة المتماسكة في عقيدتها، وشعورها، ولغتها، وأدبها؛ لهذا وقف عليه السلام موقفه الإيجابيّ على أبواب محكمة العدل، يخاصم الخليفة الأُمويّ وبطانته على هذه الأحداث المفزعة؛ نصرة للحقّ، ودفاعًا عن الدين، وإثباتًا للعدل، وإعادة للإنسانيّة المنتكسة إلى حدود فطرتها واستقامتها، فكانت فاجعة كربلاء العامرة بالعبر والعظات على مرّ الدهور، وفيها ضحّى الحسين عليه السلام وجاهد، وتحمّل، وثابر، وقدّم جثمانه طعمة للسيوف والرماح والسهام. أنا لا يهمّني أن أقف موقف القصصيّ أمام هذه المأساة الموجعة إظهارًا لخصائصها ومزاياها الجليلة الخالدة، فإنّ كُتّابنا الأفاضل قد حرّرت أقلامهم الحرّة أكثر نواحي تاريخها ونشروها دروسًا مقدّسة، ستبقى تعاليمها أهدافًا لكلّ جيل، وفي كلّ حال. وإنّما يهمّني أن أُومئ إلى أمرين، يتمثّلان مثال الألغاز: 1 - إنّي أراني وغيري من أفراد الأُمّة نتوجّع عند ذكرى هذه الفاجعة، ونظهر بكلّ مظاهر الحزن، حتّى كأنّ المصيبة قد أطّلت قبل هنيهة، وقد مرّ على وقوعها قرون وقرون، وهل كان ذلك منّا إلّا إكبارًا وتعظيمًا للغاية التي توخّاها الحسين عليه السلام، وجعل أرض الطفّ على حسابها مجزرة له ولإخوته، وولده وأولاد إخوته وعمومته وأصحابه الكرام، وقد سجّل غايته في وصيّته العظيمة لأخيه محمّد بن الحنفيّة بقوله منها: (وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي، أُريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، إلخ). وإذا كان ذلك غاية نضاله، فهل يستطيع القارئ أن يجمع بين إكبارنا لهذه الغاية وحبّنا الصميميّ لها، وبين ما يشاهده في عصرنا من التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 2 - إنّ الحسين عليه السلام قد أوقف العروبة على حدودها المقدّسة، وأرشد إلى الرجوع إليها يوم عاشوراء، بعد أن أدلى على جيوش الكوفة من العظات ما يزجرهم ويكفّهم عن سفك دمه. بقوله: (إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم وأنسابكم إن كنتم عربًا كما تزعمون). وإذا كانت العروبة فضيلة في نفسها، يُصان بها النظام، فلمَ لا يتذرّع العربيّ في عصرنا بحدود عروبته، ويتدرّع بنواميسها المقدّسة، التي بها تحفظ الفضيلة، وتدرأ الرذيلة، ولمَ لا يحرص على وحدتها التي هي أكبر دافع عن كرامة العرب، وأقوى وسيلة لحفظ بلادهم، ولو جدّ العرب في تحقيقها، وأخلصوا وصدقت ضمائرهم، لما وقعوا اليوم في مشكلة كمشكلة فلسطين القائمة على غرس المستعمرين للبذرة الخبيثة اليهوديّة في البلاد المقدّسة، فعلى الحسين سيّد الشهداء تحيّة من ربّه وسلام. مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. من دروس الطفّ