تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. الحسين ودين جدّه الرسول الأعظم
الحسين ودين جدّه الرسول الأعظم بقلم: جعفر نقديّ مجلّة الغريّ: العدد 11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 209 - 211. الحسين ودين جدّه الرسول الأعظم حسدت أميّة هاشما بنبيّها خير البريّة سيّد الأمجاد ويزيدها قد رام يمحو ذكره ويبدّل التوحيد بالإلحاد وبنهضة السبط الشهيد وقتله قام الهدى واسم النبيّ الهادي لمّا قام رسول الله (ص) في مكّة المكرّمة بالدعوة إلى دينه القويم، وشاهدت قريش معجزاته الباهرات، وآياته البيّنات، كثر حاسدو بني هاشم منهم، وصاروا يطعنون في نبوّته، ويعرضون عن معجزاته، وأخذوا يعلنون بين القبائل وغيرها أنّه ساحر كذّاب، وكان أبو سفيان صخر بن حرب بن أُميَّة في طليعة أولئك الحاسدين، يدبّر التدابير؛ للوقيعة برسول الله (ص)، وانحراف الناس عنه، حتّى كانت الهجرة المباركة، التهبت في صدر أبي سفيان نيران الحسد، وصار يحرّض قريشًا على قتاله، لاحبًّا لعبادة الأصنام فحسب، بل بغضًا لدعوة النبوّة، وحسدًا لبني هاشم من أن يكون لهم هذا الشرف، أي: شرف النبوّة، فجمع الجموع، وقاد الجيوش يوم بدر وأُحد والأحزاب، وممّا كتبه إلى الرسول (ص) يوم الأحزاب: (أحلفُ باللاتِ، والعُزَّى، وأساف، ونائِلَة، وهبل، لقد سرتُ إليك أُريد استئصالكم، فأراك قد اعتصمتَ بالخندق، فكرهتَ لقائي، ولك منّي كيوم أُحد). وإنّما ذكر يوم أُحد دون بقيّة الحروب؛ لأنّ يوم أُحد قُتل فيه من أصحاب رسول الله نحو سبعين رجلًا ما بين مهاجريّ وأنصاريّ، منهم أسد الله، وأسد رسوله حمزة بن عبد المطّلب بن هاشم عمّ رسول الله (ص)، ولم يزل أبو سفيان عدوًّا لله ولرسوله حتّى كان يوم الفتح، فأظهر الإسلام بإرشاد العبّاس بن عبد المطّلب؛ حقنًا لدمه. قال المقريزيّ في كتاب (التخاصم): قيل: إنّ أبا سفيان بعد إسلامه، شهد حنينًا مع رسول الله (ص)، وكانت الأزلام معه يستقسم بها (الأزلام آلة القمار ذلك الوقت)، قال: وكان كهف المنافقين، وإنّه كان زنديقًا، وقال: وفي خبر عبد الله بن الزبير: إنّه رآه يوم اليرموك، فكان الروم إذا ظهرت، قال أبو سفيان: أيا بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون، قال أبو سفيان: وبنو الأصفر الملوك ملوك الـ أرض لم يبقَ منهمُ مذكورُ فحدّث عبد الله أباه، فقال: قاتله الله، أولسنا خيرًا له من بني الأصفر. ولم يزل أبو سفيان هذه حاله في نصب العداوة لمحمّد ودين محمّد، وقضاياه كثيرة في هذا الباب فمنها: أنّه أراد الفتنة بعد موت النبيّ، فلم يمكّنه أمير المؤمنين (ع)، ومنها لمّا ولي عثمان الخلافة، دخل عليه أبو سفيان، وقال: قد صارت إليك بعد تيم وعديّ، فادرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أُميّة، فإنّما هو المُلك، وما أدري ما جنّة ولا نار، فصاح به عثمان. وفي (شرح النهج) لابن أبي الحديد: إنّ أبا سفيان وغيره من بني أُميّة، دخلوا على عثمان، فقال أبو سفيان: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، فقال: يا بني أُميّة تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب، ولا حساب، ولا جنّة، ولا نار، ولا بعث، ولا قيامة، فانتهره عثمان، وأمر بإخراجه. قال: ولم يزل أبو سفيان وابنه معاوية من المؤلّفة (أي: المستمالة) قلوبهم للإسلام بالبرّ والإحسان، وإن لم يكونوا مسلمين، فكان النبيّ (ص) يستميلهم ويتألّفهم بالمال والعطاء؛ حرصًا في إسلامهم، هذا أبو سفيان. وأمّا ابنه معاوية، فكان على مبدأ أبيه من الحسد لبني هاشم برسول الله (ص)، والخروج على دين الإسلام وعلى المسلمين. قال الجاحظ في رسالته الأُمويّة: استوى معاوية على المُلك، واستبدّ على بقيّة الشورى، وعلى المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سمّوه عام الجماعة، وإنّما كان عام فرقة وقهر وجبريّة وغلبة، والعام الذي تحوّلت فيه الإمامة مُلكًا كسرويًّا، والخلافة غصبًا قيصريًّا، ثمّ ما زالت معاصي معاوية من جنس ما حكيناه حتّى ردّ قضيّة رسول الله ردًّا مكشوفًا، وجحد حكمه جحدًا ظاهرًا في ولد الفراش، وما يجب للعاهر مع اجتماع الأُمّة على أنّ سُميّة لم تكن لأبي سفيان فراشًا، وأنّه إنّما كان عاهرًا بها، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى الكفّار، وليس قتل حجر بن عديّ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعة يزيد الخليع، والاستئثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة من جنس جحد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة. إلى أن قال: ((على أنّ كثيرًا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره)). وقال ابن أبي الحديد: كان معاوية مطعونًا في دينه، مرميًّا بالإلحاد، وكان يتعرّض لرسول الله، ويتظاهر بالإيذاء، وقال في موضوع آخر من (الشرح): إنّ أصحابنا (يعني المعتزلة) لم يقتصروا على تفسيق معاوية، بل قالوا عنه: إنّه كان ملحدًا لا يعتقد بالنبوّة، إلى أن نقل عن الزبير بن بكّار في (الموفّقيّات) عن المطرّف بن المغيرة بن شعبة كلامًا عن معاوية قال في آخره: إنّ ابن أبي كبشة (يعني النبيّ ص) ليُصاح به كلّ يوم خمس مرّات أشهد أنّ محمّدًا رسول الله، فأيّ عمل يبقى، وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك، لا والله إلّا دفنًا دفنًا. فانظر إلى هذا الكفر، وهذا الحسد. ثمّ نقل ابن أبي الحديد أُمورًا عن معاوية، كلّها ردّ على الله، وعلى رسوله. هذه كانت حال معاوية. أمّا ولده يزيد فلمّا ملك الأمر بعد أبيه، بنى على بنيان والده وجدّه، وأخذ في مطاردة الدين وأهله، ومخالفة محمّد وأحكام محمّد بالأقوال والأفعال، فنكح أُمّهات أولاد أبيه ردًّا على قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ)، وأباح الخمور والفجور، وعمر مجالس اللهو والمقامرة مستهزئًا بالمسلمين وبدينهم، مستخفًّا بالصوم والصلاة وسائر الأوامر الشرعيّة، وجعل بيت مال المسلمين في أيدي المغنّين من الرجال، والعواهر من النساء، يفعلون بالأموال ما شاؤوا، وشاء لهم الهوى، وأعماله هذه كانت هي السبب الأعظم في امتناع جماعة من المسلمين عن بيعته، وكان همّه الأكبر أن يبايعه الحسين - عليه الصلاة والسلام - ، ويقرّ له بالإمامة مع علمه أنّ الحسين لا يبايعه، وأنّه عليه السلام يختار عزّة الموت على ذلّة الحياة، ولمّا يئس من ذلك (أي: من مبايعة الحسين إيّاه) صار يأخذ التدابير لقتله عليه السلام، فطيّر الكتب والرسائل إلى جميع عمّاله وولاته، وأمرهم أن لا يدعو الحسين يقرّ له قرار أينما حلّ، وأرسل ثلاثين رجلًا من شياطين بني أُميّة إلى الحجاز، وأمرهم بسفك دم الحسين (ع)، وإن كان متعلّقًا بأستار الكعبة، ولكنّ الأقدار الإلهيّة أبت أن يُسفك دمه الطاهر إلّا في أرض كربلاء، حتّى إذا كاتبه أهل الكوفة من خلعهم للطاغية يزيد، وأنّهم يطلبون التشرّف بقدومه عليهم، وكرّروا عليه الطلب، حتّى اجتمع عنده اثنا عشر ألف كتاب. نهض - صلوات الله عليه - تلك النهضة الخالدة؛ لنصرة الدين القويم (دين جدّه المصطفى)، وقصد الكوفة بأهله، وعياله، وإخوته، وولده، وبني أعمامه، ولمّا بلغ يزيد نبأ توجّه الحسين (ع) إلى الكوفة، سعى هو وذَنَبُهُ عبيد الله بن زياد، وبذلوا الجهود في سدّ طرق المواصلة بين الحسين (ع) وبين المخلصين من شيعته، وملأوا الحبوس في الكوفة وغيرها من الأناس، الذين ظنّوا بهم النصرة للحسين (ع)، أو اتُّهموا بذلك، وهو عليه السلام غير مكترث بهذه الأعمال ولا بالجموع التي حشدوها، على أنّه كان على علم من خيانة الكوفيّين مع ابن عمّه مسلم بن عقيل، وكان بلغه خبر قتله، وقتل هاني بن عروة، ولكنّه رأى أنّ في موته شهيدًا حياة دين جدّه واسم جدّه، وقرآن جدّه، وأنّ بقتله ستنكشف حقائق كانت مستورة بتمويه معاوية وابن العاص، والعصبة الأُمويّة، فنزل كربلاء، وسدّ القوم اللئام على وجهه ووجوه أصحابه الماء، وتفرّق الناس عنه، ولم يبقَ معه ممّن صحبوه إلّا اثنان وسبعون رجلًا، بذلوا أنفسهم في سبيله، وسبيل إحياء الدين الإسلاميّ، حتّى قُتلوا عن آخرهم - رضوان الله عليهم - ، ولمّا بقي عليه السلام وحيدًا، احتجّ على القوم اللئام باحتجاجات عديدة، فلم يجيبوه إلّا بالسيوف والرماح والنبل والحجارة. وبلغ من قسوتهم أنّه عليه السلام استسقى لطفله الرضيع، فرموه بسهم محدّد، وذبحوه على يد والده، فاعتنق الطفل أباه؛ لشدّة ما أصابه من الألم، وصار والده كالمدهوش، تارة يقبّله، وتارة يمسح وجهه وفمه بيديه الكريمتين، وأخذ يملأ يده الشريفة من الدم السائل من وريد الطفل، ويرمي به إلى السماء، وفي ذلك أقول: فانصاع يمسـح بالكفّين مبسمـه وصار يرشف من فرط الأسى فمه ومذ رأى أنّ ذاك السهم أعدمه بكى وألقى إلى أُفق السما دمــــــه ما حال من طفله في حجره ذُبحا قام الهدى واسم النبي الهادي ثُمّ شدّ - صلوات الله عليه - على القوم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، إلى أن أتاه السهم المشؤوم، ووقع في لبّة قلبه، خرّ إلى الأرض صريعًا، ولسان حاله يقول: إن كان دين محمّد لم يستقم إلّا بقتلي يا سيوف خذيني فأخذته السيوف من كلّ ناحية، وبقتله انهدم ما كان بناه أبو سفيان، وابن أبي سفيان، وحفيد أبي سفيان، وظهر الدين الحنيف الذي أرادوا إخفاءه وطمس معالمه، واتّضح معنى قول الرسول الأعظم: ((حسين منّي وأنا من حسين))، وبقيت اللعنة على القوم الظالمين إلى يوم القيامة.