تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ ..كنه الحركة الحسينيّة
كنه الحركة الحسينيّة بقلم: المحامي عبد الصاحب سميسم مجلّة الغريّ: العدد 11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 260 - 261. كنه الحركة الحسينيّة يتّضح لمن سبر السيرة الحسينيّة كنه هذه الحركة وجوهرها، فهي البحر المتلاطمة أمواجه الصاخبة، وهي سموّ النفس، وهي الإقدام، وهي النبل والدفاع والتضحية في سبيل العقيدة. لقد مرّت السنون، وكرّت الأعوام، ولا زالت أصداء ذكرى الحسين تتجاوب في آفاق الدنيا، فهذه المآتم والمواكب آخذة بالازدياد الهائل، لعمر الحقّ، إنّها لحركة تمتاز عن بقيّة الحركات التاريخيّة التي سبقتها، والتي تلتها، وسوف تتلوها، فهي نبراس للسياسيّ المحنّك، وهي درس للعسكريّ المقدام، وهي مثال الإباء والصبر والتضحية. لقد أصلت الحسين سيفه في وجه الظلم والكفر، وناضل في سبيل عقيدته، لمّا نظر إلى شريعة جدّه، وقد تربّع على كرسيّها يزيد بن معاوية، شارب الخمور، وربيب الفجور، يزيد الذي قال جدّه، والنبيّ بعد لم يُدفن: (تلقّفوها يا بني أُميّة تلقّف الكرة، فلا جنّة، ولا نار)، والذي خرج أبوه معاوية على إمام زمانه، ودسّ السمّ إلى سيّد شباب أهل الجنّة، أجل، وهذا يزيد الذي يقول: دعِ الـمـسـاجـد للعبّاد تسكنها وقـف على دكّة الخمّار واسقينا والذي يقول: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل نظر الحسين إلى الشريعة الأحمديّة قد وهت أركانها، وتداعت جنباتها، وعصفت بها زوابع البدع والإلحاد، فما كان منه وهو ربيب النبوّة والرسالة إلّا أن ينتشل شريعة جدّه من براثين الفجرة العتاة، فبنى كيان الإسلام بدمائه، وركّز دعائمه بأشلائه، ولسان حاله يقول: إن كان دين محمّد لم يستقم إلّا بقتلي يا سيوف خذيني خرج الحسين من مدينة جدّه إلى مكّة؛ كي يعلن ثورته ضدّ الظلم والطغيان، وحتّى يطهّر شريعة جدّه من أدران الرجس والجبروت، ومكّة مجمع المسلمين، ولكن يزيد دسّ إليه أربعين رجلًا من شياطينه لقتله عليه السلام، ولو كان متعلّقًا بأستار الكعبة، فلم يكن من الحسين، وهو الذي عزم على التضحية بنفسه دفاعًا عن الشريعة الإسلاميّة إلّا أن يخرج، لئلا تُستباح حرمة الحرم بقتله، خرج عليه السلام وهو يعلم بأنّه مقتول في كربلاء، فخطب في قومه مشيرًا إلى ذلك، وقال: (كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء...)، فقيّض الله له أصحابًا، بايعوه من الذبّ عن حياض الشرع الحنيف، وقد بذلوا نفوسهم، وجادوا بأرواحهم، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. ومن الناس من يقول: لماذا حمل الحسين عياله وأطفاله، وهو يعلم بأنّه مقتول في كربلاء، وأنّ عياله سوف تُسبى، أما كان من الأجدر أن يبقي العيال في المدينة؟ تلك أقوال يوردها البعض ممّن لم يعرف كنه الحركة الحسينيّة، ولم يسبر غورها. تتولّد حوادث، وتحدث انقلابات، ولكنّ التاريخ يقذفها في زوايا النسيان، ولا يتطرّق لذكرها، وإذا أراد أن يبحثها، فإنّما يمرّ عليها مرّ الكرام؛ وذلك لأنّ الخصوم عملوا على طمرها، وإشغال الرأي العامّ عنها بشيء آخر، فأصبحت كأن لم يكن شيئًا مذكورًا. وهنا تتجلّى العبقريّة الحسينيّة، فلو لم تُحمل تلك الحرائر والأطفال، فتُسبى من بلد إلى بلد، لما كنّا نسمع بذكرى وقعة الطفّ، ولما عرفنا الديانة الإسلاميّة، ولأصبحنا نقرأ في بطون بعض الكتب أنّ رجلًا في قديم الزمان ادّعى النبوّة اسمه محمّد. هذا هو السبب الحقيقيّ في حمله العيال إلى كربلاء، تصوّروا ابن زياد وهو جالس في قصر الإمارة، وقد جاءوا بالسبايا مكبّلين بالحديد، والأطفال يتصارخون من الجوع ليدخلوهم عليه، وقد حفّت به شيوخ الكوفة ورؤساؤها، ثمّ تصوّروه وهو يخاطب عقائل رسول الله بلغة يريد أن يسدل بها ستارًا على أنوار النهضة الحسينيّة ليحجبها فيقول: (الحمد لله الذي قتلكم، وفضحكم، وأكذب أُحدوثتكم، وأراح البلاد منكم). فما كان من ابنة عليّ إلّا أن قالت له: الحمد لله الذي أكرمنا بمنّه أهل البيت، وطهّرنا الله من الرجس تطهيرًا، إنّما يُفتضح الفاسق، ويُكذب الفاجر، وهو غيرنا يا بن مرجانة، وهكذا ننتقل إلى الشام، فقد طبّل بنو أميّة، وزمّروا وموّهوا على الرأي العامّ، بأنّ يزيد قد قضى على جمع من الخوارج، وهذه سباياهم فاستقبلوهم بالدفوف والمزامير، واعتبروا ذلك نصرًا ليزيد إمام المسلمين، ولكن الله يريد أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، فقد وقفت زينب في مجلس يزيد بعد وهو مكتظّ بأهل الشام، وألقت خطبة بليغة، أفهمت فيها أهل الشام بأنّهنّ حرائر رسول الله، وأنّ هذا الرأس هو رأس الحسين ابن بنت رسول الله، فقالت: (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، يُطاف بهنّ من بلد إلى بلد). بهذه المواقف دبّج التاريخ واقعة الطفّ، وبتلك الخطب البليغة الرنّانة فهم الناس أنّ الحركة الحسينيّة هي حركة حقّ، ولم يكن الحسين عليه السلام من الخوارج. وهذا هو الهدف الذي قصده الحسين من حمله العيال إلى كربلاء. سيّدي أبا عبد الله، لقد أعطيتنا درسًا بليغًا في الإقدام والتضحية والدفاع في سبيل الحقّ، وقد علّمتنا معنى الإباء والصبر، فالسلام عليك أيّها البطل الذي قارع جبابرة الكفر، وحطّم أوثان الباطل، وناضل عن الدين، ودافع عن العقيدة، وعلّمنا طرق الكفاح والموت في سبيل المبدأ، فعلى خطّته سيروا أيّها الأحرار.