تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. الحسين
الحسين بقلم: رشيد حسن البدريّ مجلّة الغريّ: العدد11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 263 - 264. الحسين لا أدري أيّها السادة ماذا أقول، وبأيّ لغة أعبّر لأصف لكم ما حلّ في مثل هذا اليوم. إنّ هذا ليوم رهيب رائع، هذا يوم ظلّ وسيظلّ خالدًا ما خلد الدهر. هذا يوم بدأ فيه الصراع بين الحقّ والباطل، بين الخير والشرّ، بين أكرم الأخلاق الإنسانيّة، وأخسّ الطباع الحيوانيّة، صراع بين المروءة واللؤم، بين التضحية والطمع. إنّ في هذا اليوم ذكرى ثورة دمويّة، أعلنها أهل بيت طاهرون، وحمل لواءها سيّد شباب أهل الجنّة ضدّ أولئك الفجرة المارقين، انتصارًا للحقّ، وعدوانًا على الباطل . أجل، إنّه يوم ضحّى فيه الحسين بن عليّ عليه السلام بتلك الغصون النضرة من ريحانة النبوّة، والفروع اليانعة من دوحة الرسالة، هو يوم سُبيت فيه المخدّرات من آل هاشم، اللائي وقفن بلا نصير في وجه جيش عاتٍ، يكافحن الذلّ والصغار بأنف شامخ ونفس عالية. بل قل هو يوم الحسين الشهيد، الحسين وأيّ نطاق من القول يحيط بهذا الاسم الكريم، ويرتقي إلى هذا الخلق العظيم، فيكشف عن تلك السجايا التي أبدعها الله. الحسين، ذلك القبس الذي أنار الوجود من ظلمة الظلم، وطهّره من لوثة الإثم، وأنقذه من الفتن الفاشيّة. الحسين ثمرة الفداء، وآية البقاء الذي جعل روحه ونفسه ومعناه وحسّه ومشاعره وخواطره وبواطنه وظواهره لله وحده، ليس له منها نصيب. لا أحسب أيّها السادة أنّ أحدًا منكم يعوزه الإلمام، وتلحّ به الحاجة، لتتّبع الخطوات التي بلغت نهايتها تلك الفاجعة العظمى، والمأساة الكبرى، منذ أن أزمع الحسين شدّ الرحال إلى الكوفة؛ تلبية لنداء الواجب، واستجابة لدعوة الحقّ، إلى أن وقف في صعيد كربلاء مخذولًا مخيّرًا بين اثنتين، ركوب المنيّة، أو الركون إلى الذلّة والمسكنة، لقد قال الحسين حينذاك كلمته الخالدة: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد) ، ثمّ صبر على كلّ ما يعزّ على الرجال أن يصبروا عليه، صبر على ملاقاة الأعداء، وإن غصّت بمجموعهم الفلوات، وصبر على تساقط القتلى من أنصاره وأهل بيته، وبنيه وإخوته وبني عمومته، قتيلًا تلو قتيل، وهو ينظر بأُمّ عينه مصارعهم بين حرّ القيظ، وحرّ السيوف، وحرّ الظمأ، وماء الفرات على قاب قوسين منهم أو أدنى. وصبر على ذبح طفله بحجره، وعلى عطشه الممضّ، وعلى لوعة النساء، وهنّ يشاهدن مصارع نجوم الأرض من بني عبد المطّلب، وأُسود بني هاشم. لقد احتمل كلّ ذلك في سبيل الغاية الشريفة، التي هي جزء من نفسه، والتي سمت بروحه عن ان تستسلم للجزع، وأن تضرع للخطب مهما ادلهمّ، ما دام ذلك لله، وفي الله، وما دام متّصلًا بسبب من رضاه ... لقد بات الحسين ليلة العاشر من محرّم ومعسكره يموج كالبحر بنساء حائرات، وأطفال عطاشى، وشيوخ بين سجود وركوع، وشبّان يعدّون العدّة للموت، ويشحذون السيوف للنضال. أمّا الحسين فقد رأى الأعداء عصرًا، وهم يحيطون بمعسكره من كلّ جانب وصوب، ويسدّون عليه المسالك والسبل، فاستعظم أن يجد في مخيماته ضعاف الإيمان من أصحابه، وخشي أن يؤثّر في نفوسهم جزع الموقف وحراجته. فأخذ يطوف البيوت خيمة بعد خيمة، ويوصي الرجال بالرحيل إلى أهليهم والانفضاض عنه، فلم يجد بينهم إلّا من اشترى الموت بالحياة، وقد ازدادوا تحمّسًا للحقّ والذبّ عنه. في هذا الموقف تلاحظون أنّ الحسين لم يشأ أن يخدع أحدًا من أصحابه ليسوقه إلى الحرب قسرًا، وقد اختبر أصحابه في تلك الليلة اختبار القائد المحنّك، وعرف نواياهم وصدق عزيمتهم. فضرب بهم مثلًا رائعًا في البطولة والجهاد، وأخيرًا وفي اليوم العاشر من سنة (٦١ هـ) وقف الحسين وحيدًا بين الصفوف، وقد قُتل أصحابه وأهل بيته، ولم يبقَ بينه وبين الشهادة إلّا فترة قصيرة من الزمن. رأى ببعد نظره أن لا يترك أعداءه يقترفون جريمتهم بدون موعظة يعظهم فيها، وينذرهم وخامة العاقبة في الدارين، ويلقي عليهم الحجّة، فتقدّم إلى تلك الجموع وقال لهم: إنّكم والله قد استحوذ عليكم الشيطان، فأنساكم ذكر الله العظيم، فعلامَ تستحلّون دمي، وأنا ابن بنت نبيّكم، فأجابه الشمر بسهم وقال: هذا جواب وعظك يا ابن فاطمة الزهراء، فتمّ للحسين ما أراد، حيث ألقى عليهم الحجّة. وأخذ يبارزهم ويقاتلهم حينًا، ويرجع إلى خيم النساء حينًا، ليهدّئ روعهنّ حتّى قال فيه أحد أعدائه: والله ما رأيت رجلًا قطّ، قد قُتل أهل بيته وأصحابه أربط جأشًا من الحسين. فقد كانت الرجال تشدّ عليه فيشدّ عليها، فتنتشر بين يديه انتشار المعزى إذا شدّ فيها الذئب، وأخيرًا تكاثرت عليه الجراح، والتحمت حوله السيوف والرماح، وكأنّي بنفسه - روحي فداء - وهي تردّد قائلة: إن كان دين محمّد لم يستقم إلّا بقتلي يا سيوف خذيني هذا هو الحسين أيّها السادة رمز التضحية العظمى، الذي ضرب بموقفه هذا مثلًا أعلى في الإيمان والصبر والشجاعة والإباء، وكيف لا يكون كذلك وهو فرع الدوحة النبويّة، والشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء، عاش في الدنيا وليس من أهلها، وفارقها وهو غير آسف على فراقها، شهاب الهداية ورسول الرحمة. إنّ هذه الذكرى لتعطينا درسًا بليغا في كيفيّة الدفاع عن المبدأ والعقيدة، وتوضّح لنا حقيقة أهل الضلال، وتصوّر لنا يوم كربلاء الدامي، فلتكن عبرة، ولتكن موعظة للمسلمين.