تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. ماذا يقول المنبر العالي
ماذا يقول المنبر العالي بقلم: الشيخ عليّ الشرقيّ مجلّة الغريّ: العدد 11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 185. ماذا يقول المنبر العالي ثلاثة عشر قرنًا ويوم السبط واحد لا ثاني له، تعدّدت النهضات، وجدّت الثورات الكبرى، ولكن لا ثورة ولا نهضة ولا تضحية هزّت العالم، ومجّدت التاريخ، وأسرجت مشعل الحرّيّة في الأمس واليوم والغد مثل نهضة أبي الشهداء. كلّ نواحيها نور وحقّ، وكلّ أطرافها مجد وشرف، وكلّ آفاقها وحي وبعث، كثيرة الصفحات الخالدة، لا يفرغ التمجيد عن فصل من فصولها حتّى يبدأ فصل أنبل وأمجد، فيها الدين والعقيدة، وفيها الإباء الحرّ والشرف العالي، وفيها الوحي والإلهام، وفيها القدوة والإيثار، وفيها أغلى قيم الإنسانيّة والحرّيّة والمُثل العليا، تضحية من أعظم شخصيّة في أعظم وقت لأعظم غاية، صيحة في الأجيال، وصرخة في الآفاق، ودويّ في التاريخ، وعاصفة في القرون، تقلع الباطل، وتبعث الحق، وتجدّد الاستبسال للنضال في سبيل الحرّيّة، وتعبيد طريق العدالة، وكيف لا تكون كذلك، وقد مهّد لها الرسول الأعظم بإعزازه لذلك السبط، والتنويه به أكبر تنويه، والتعهّد البالغ بإنشائه أكمل إنشاء، وتربيته أسمى تربية، وإبلاغ الناس أنّه سيّد شباب أهل الجنّة، وأنّه الإمام قام أو قعد، ومهّد لها عليّ عليه السلام بمواقفه، وخطبه، ونذره، وبلاغاته، ومهّد لها الحسن عليه السلام بصبره، واحتجاجاته، ومقارعته بالحجّة الدامغة، والبلاغ الذي ما بعده من بلاغ، ولمّا جاءت نوبة بطل الحقّ والحرّيّة، وقد سُدّت المذاهب، وانقطع كلّ سبيل إلّا سبيل التضحية الحمراء، نهض لها عارفًا بالمغبّة، عالمًا بالمصير، نهض بشجاعة وإيمان وإباء وشرف، وبعثها ثورة زعزعت بناء الناصبين، واقتلعته اقتلاعًا بأوّل خطوة من خطواتها، فالتاريخ يرينا ذلك البطل وهو يتابع الخطوات برزانة وثبات، ويرسم الخطط الناجحة بوثوق وإيمان، ويرينا أعداءه وخصومه، وقد فقدوا كلّ توازن، وأذهلتهم صولة الحقّ، فكانت حركاتهم، وكان تدبيرهم نزوات وأغلاطًا وتخبّطًا، يتمرّغون بدم الحسين، ويستبيحون المدينة المنوّرة، ويحاصرون البيت الحرام، ويقذفون الكعبة بحجارة المنجنيق؛ للحصول على الخلافة الإسلاميّة. أجل اعتزم السيّد البطل على التضحية، حين لم تكن وسيلة لنصرة الحقّ إلّا الدم، وأرادها ثورة سامية عظيمة الأثر، تقلع الجذور وتحسم الجذوم، فرفض البيعة في المدينة مسفّهًا للأحلام الرخيصة، دالًا على الحقّ بصراحة ووضوح، ثمّ شخص إلى مكّة المكرّمة القلعة الإسلاميّة الأُولى، والأباطح تسيل بأعناق المطيّ، والمواكب تعجّ في الطرقات والدروب لموسم الحجّ، فبثّ الدعوة، ونشر البذور على طول الطريق، مبلّغًا للمسلمين الوافدين من كلّ فجّ، ويغادر مكّة المكرّمة في يوم التأهّب للصعود إلى موقف عرفات إعلاناً للناس بما يريد، وتعريفًا لهم بأنّ الإسلام يطلبه لموقف أهمّ من موقف عرفات، ويتحوّل بوجهه الكريم نحو العراق؛ لما يعلم به من الحيويّة والاستبسال، وسهول العراق قد نثر فيها عليّ وصحب عليّ البذور الصالحة، ولأنّه القطر الذي يفقه ما لا يفقهه غيره من الأقطار الإسلاميّة حينذاك من قيم الأحداث والتيّارات الانقلابيّة، فالثورة مهيّئة فيه للقدحة الأُولى، وهكذا كان، فقد أعقبت يوم الطفّ أيّام هي هي التي كانت تستهدفها ثورة أبي الشهداء، حتّى نسفت آخر حجر لأُميّة، تحوّل البطل نحو العراق، بل تحوّل نحو المصرع الذي يعرفه، فكانت كلّ خطبه وكتبه وسائر حركاته نذرًا وتبشيرًا، ولم يترك ثانية من وقته ثَمّ غير مشبوبة بنار أو مشعّة بنور، وبذل للنهضة بذل السخيّ. بذل أشلاءه وأوصاله، وضحّاها غالية من الطفل الرضيع إلى الشيخ الكبير، بذل لها قمر بني هاشم، ونجوم العشيرة، وخير الأصحاب، وهو ثبت الجنان راسخ العقيدة بما يصير إليه القوم بعد هذا، قابضًا بملء يديه على الغاية المطمئنّة، صادعًا بقوله تعالى: ((وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)). هذا منبره العالي يلقي علينا الدرس البليغ في محنتنا اليوم، صارخًا بالأحرار أنّ فلسطين بعد أن فشلت كلّ جهودكم، وخابت كلّ المساعي السلميّة، وأطبقت الدنيا عليكم من كلّ صوب، وقد مهّدتم للثورة الحمراء ألف تمهيد، فلا مركب إلّا الأسنّة، ولا علاج إلّا بالحديد والدم، ولو لم يكن في التضحية إلّا أن تتركوه جرحًا داميًا على التاريخ، وثارًا صارخًا في الأجيال المقبلة لكفى.