تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ .. يوم الشهيد
يوم الشهيد بقلم: السيّد محمّد الهاشميّ مجلّة الغريّ: العدد11 - 14، السنة التاسعة 1947م ، 1948م، الصفحة 259 - 260. يوم الشهيد هذا يوم الشهيد... هذا يوم له في السماء نور، وفي الأرض دم، يهدي الأوّل الناس، ويكتب الثاني التاريخ. هذا يوم، ليس يوم الإمام الحسين عليه السلام، ولا يوم الإسلام، إنّما هو يوم الدنيا في مثُلُها العليا، في الشهامة، والنخوة، والتضحية، والنجدة، والإباء، والوفاء. لقد عادت الدنيا بعد إسلامها إلى ماضيها القريب، وأوغلت في ذلّها وخنوعها للظالم المستبدّ، وخمدت جذوة تلك العاطفة الدينيّة، التي التهبت بين الصفا والمروة، وواصل الناس سكر جاهليّتهم بعد صحوة الإسلام، فاكفهرّ الأُفق من جديد، وتطلّعت العقول هنا وهناك تفتّش عن منقذ، وضجّت الفضيلة في قصور الأُمراء والحكّام، فنبض لهاشم عرق، وثارت لعليّ نخوة، وهبّت للإسلام عواطف. وكان الحسين يحدو القافلة المشتّتة الحيرى إلى طريق العشب والماء، يذود عنها نيوب الذئاب، وسياط الأطماع، فكانت رجعة خوف ووجل قلوب، ويقظة نوم، حتّى إذا أُريق الدم الزكيّ على أديم كربلاء، دبّت الرجولة في العروق، وتصايحت النخوات من المكامن، وارتفع ذلك الدم الملتهب المخيف؛ لواء خفّاقًا، يدعو الأحرار من كلّ حدب ينسلون. فعرفت الدنيا أنّ الحسين هو المنقذ، وعرف التاريخ أنّ المداد الذي تُكتب به صفحات الحقّ والعدل والإباء هو دم الحسين، وعرف الحاكمون أيّ جرم اقترفوه، وأيّ سلاح مرهف الحدّين على عروشهم اطلقوه. وعرف المظلومون أنّ التضحية النبيلة هي سرّ الحياة الكريمة، فلا حرّيّة بلا ضحايا، ولا كرامة بلا دماء، ولا عدل بلا كفاح وجلاد. ومنذ ذلك الحين، وما بقي الإنسان، كان الحسين عليه السلام، وسيبقى المنقذ الذي يحيي عظام الرجولة وهي رميم، وإنّ إقدامه على الشهادة وهو عارف بها خير نار تُقذف بها صروح العاتين، فتؤزّ فيها أزًّا، وتتركها رمادًا تذروه الرياح. هذه هي النتيجة التي قدّمها لنا التاريخ من يوم الحسين عليه السلام، وهي التي أجمع عليها المؤرّخون في كلّ عصر ومصر، ومن كلّ عنصر ودين، إذ لم يصف لنا التاريخ أيّ زعيم ومجاهد بأنّه الرجل الذي أنقذ الحياة من وهدة السقوط، وأنقذ العقل من محنة الجهل، وأنقذ الحرّيّة من عقال الاستبداد، وأنقذ الكرامة من ذلّ التمرّغ على الأعتاب، ففاز بما أراد إلّا الحسين عليه السلام. يدلّنا على هذا كلّه أنّ بني أُميّة لم يُعدموا يومًا ما من الأنصار من يمجّد أعمالهم، ويزكّي جهودهم، ويرفع من شأن رجالهم، ويحارب بشدّة وقسوة خصومهم وأنصار خصومهم، ولكنّ هؤلاء الأنصار على كثرة مدحهم إيّاهم وذمّهم خصومهم، وقفوا من يزيد والحسين موقفًا خاصًّا، فلم يحجموا عن التهجّم على يزيد؛ لما بدا منه من جهل وغيّ، ولم يخشوا من الثناء على الحسين لما رأوا في حركته وتضحيته من كرامة، وشهامة، ورجولة، وقوّة صبر، وطول أناة، وما من مؤرّخ أُمويّ مهما كان متعصّبًا إلّا ورأيته يمدح الحسين ويمجّده. وأغرب من ذلك كلّه أنّ خلفاء بني أُميّة وقفوا هذا الموقف نفسه من الرجلين، وحسبك أن تدخل الجامع الأُمويّ، لترى موضع رأس الحسين مكلّلًا بالذهب والفضّة، مزدانًا بالحرير والإستبرق، وكلّه هيبة وجلال وخشوع ودموع، وهذا منذ أيّامهم الخوالي، ولكنّك لا تجد أثرًا لقبر يزيد، ولا لمجلس يزيد. هذه كرامة الشهيد الذي يضحّي بنفسه، وإخوته، وولده، وأهل بيته، وعياله، وأصحابه، إنّها نتيجة حتميّة لشهيد أبيّ النفس، فما من شهيد ضحّى لغاية عامّة سامية، وضحّى وهو مؤمن بسمّوها ونبل مقصدها إلّا وكان من أُمّته مثلها الأعلى الرفيع، تستمدّ منه دروس البطولات، وتستوحيه العزم يوم الملمّات، وترفعه أمامها لواء رفّافًا فيه نور، يهديها إلى الصراط المستقيم. فكيف بهذه النتيجة، وهي لرجل ضمّ الدنيا الإسلاميّة بين برديه، ونهض بوجه دولة وجيوش وهو فرد، فنال بشهادته ما أرادت أُمّته، وكانت ولا تزال تضحيته الصحيحة التي دوّت في القلوب والضمائر، وامتزجت بالدماء تدعو الناس إلى مقاومة كلّ مستبدّ جائر، ذاك يوم الشهيد في التاريخ والدنيا. فليكن لنا نحن العرب والمسلمين في هذا العصر الذي تنوشنا فيه أضفار الطامعين الغاصبين من الشهيد ويومه نخوة وهمّة، ولتفصل الدماء بيننا وبين القوم، وإلّا فقد خسرنا الحياة، وعشنا أذلّة صاغرين، وهذا هو الخسران المبين.