تاريخ الجنوب
مقالاتٌ حسينيةٌ بأقلامٍ جنوبيةٍ.. الحسين
الحسين بقلم: الشيخ حبيب آل إبراهيم مجلّة الغريّ: العدد 9 - 10، السنة الثامنة 1946م ، 1947م، الصفحة 222 - 223. الحسين بهذا الاسم وحده دلالة كافية على ذلك المُسمّى الفذّ، والعلم الفرد، فلا نحتاج في تعريفه والدلالة عليه إلى أن نقول: ابن من، ولا أبو من، وإن كان بذكر جدّه (صلى) تتشرّف الأندية والأسماع، وبذكر أبيه أمير المؤمنين تتطيّب الألسنة والأفواه، وبذكر أُمّه الزهراء تُرفع الرؤوس وتتلع الأعناق. (الحسين سبط من الأسباط) كان رسول الله (صلى) يتكلّم بجوامع الكلم، فصلًا لا فضول فيه ولا تقصير، فما الذي أراد النبيّ بهذه الكلمة الموجزة؟ وما الذي عنى الرسول بهذا النبأ العظيم؟ يقولون: أراد المصطفى أن يبيّن أنّ الحسين أُمّة من الأُمم في الخبر، نعم الحسين أُمّة من الفضائل، اجتمعت في فرد من الرجال، يغني غناء الأُمّة، ويكفي كفايتها. نعم، لقد صدق ظنّ جدّه فيه، فلم يخطئ نظره، ولم يخب حدسه، ولم تنب فراسته، وإنها من أعلام نبوّته؛ كأنّه رأى الغيب وعلمه، والغيب لا يعلمه إلّا الله. أجل، كأنّ رسول الله (صلى) رأى ما يفضي إليه أمر سلطان المسلمين، ذلك السلطان الذي أسّسه بيده، وعقد لواءه، وسنّ قوانينه وأحكامه، وشيّد أركانه، وأحكم بنيانه. رأى أنّه يفضي إلى أُميّة وبني مروان، رأى أنّه ينتهي ويصير إلى الشجرة الملعونة في القرآن، رأى أنّ بني أُميّة وبني مروان يعلون منبره، ويهتكون حرمة مسجده، ويتحكّمون في مقدّسات الإسلام، ويستولون على رقاب المسلمين، فيوسعونهم ظلمًا وجورًا، وعسفًا واستبدادًا. رأى رسول الله (صلى) ذلك كلّه، ورأى أنّه إن دام لهم الحال على ذلك، وبقي الأمر إليهم، وتُرك سلطان المسلمين فيهم، رجع الناس إلى ما كانوا عليه في جاهليّتهم، وذهب عمل الرسول وجهاده وجدّه وجلاده وقرآنه وبيانه وشرائعه وأحكامه أدراج الرياح، لا يبقى لها في الناس علم ولا أثر، علم رسول الله (صلى) ذلك كلّه، ويعلم هذا كلّ من سبر تاريخ بني أُميّة، ونظر في سيرتهم. تذكّر معي أليس معاوية القائل: (ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتزكّوا، ولا لتحجّوا، ولا لتصوموا، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم)، أليس هو الرادّ لحكم رسول الله (صلى) ردًّا مكشوفًا في زياد بن أبيه؟ والرادّ على رسول الله رادّ على الله، أليس هو المحارب لأمير المؤمنين عليّ؟ وقد قال فيه رسول الله: (يا عليّ سلمك سلمي، وحربك حربي)، أو (سلم عليّ سلمي وحربه حربي)، أليس هو السابّ له، والآمر بسبّه على المنابر؟ وقد قال فيه رسول الله (صلى): يا عليّ من سبّك فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبّ الله)، ألم يجعل أمر المسلمين لابنه يزيد، وهو من تعلمون. ألم يبح يزيد المدينة ثلاثة أيّام لعسكره، حتّى افتضّت ألف بكر في مسجد الرسول (صلى)؟ ألم يهدم أمير جيشه الكعبة؟ ألم يقتل هو وأبوه الأخيار من أصحاب رسول الله (صلى)، ويستبقوا الأشرار؟ أليس وليدهم القائل، وقد استفتح بالقرآن فخرجت ((وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)): تهدّدني بجبّار عنيد فها أنا ذاك جبّار عنيد ِ إِذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا ربّ مزّقني الوليد بعد ما نصب القرآن غرضًا لنباله وسهامه، يرميه ويصوّب إليه استخفافًا واستهزاءً. وعلى هذا فقس، فإنّ من الأوّل تعرف الآخر، ومن الظاهر تعرف الباطن. فإلى من تفزع الشريعة، ولمن يشكو الإسلام والمسلمون؟ هل يشكو الإسلام إلّا إلى حافظه وحاميه؟ ومن غير الحسين؟ ولكن من الذي يقدر أن يقوم بوجه بني أُميّة، وقد استولوا على سلطان المسلمين؟ أليس الثائر عليهم إنّما يثور على أُمّة لها سلطانها وجيشها وقوّتها؟ ما هو السبيل إلى تحطيم تلك القوّة؟ ما الطريق إلى استبدال تلك الأُمّة بخير منها؟ ما الرأي في أن تُحفظ الشريعة، ويُحترم قانونها، وتُصان مقدّساتها؟ ويمضي في سبيل نشرها ورقيّها أهلها؟ أيمكن ذلك مع غلبة بني أُميّة الجادّين في محوها وتهديمها؟ أليس الناهض لهم الثائر عليهم يحتاج إلى أُمّة تقابل تلك الأُمّة؟ وسلطان يقاوم ذلك السلطان؟ وجيش يقاتل ذلك الجيش، وهب أنّه وجد ذلك كلّه؛ فمن يحسن أن ينهض نهوضًا ينتهي ممّا يُراد من تلك النتائج الصعبة المنال؟ البعيدة الغاية؟ وما السبيل إليها وإلى الحصول عليها؟ أجل، كان الحسين هو المرتّب ذلك، والناهض به، والموصل إليه، ورسول الله (صلى) علم ذلك كلّه. الحسين أُمّة من الأُمم في الخير، قضى على أُمّة من الأُمم في الشرّ، قضى الحسين على أُمّة ضالّة ظالمه مستبدّة، فاستبدلها بخير منها. أجل قضى عليها بما دبّر من نهضته، التي كشفت عن نفسيّات لامعة، وفضائل فيه باهرة، لا تزال موضع إعجاب البشر إلى اليوم، وبعد اليوم، وإلى منتهى العالم. وكشفت عن ظلم بني أُميّة وجورهم وهمجيّتهم وتوحّشهم إلى سوء تدبير، وقصر رأي، وقلّة علم، إلى غير ذلك من الفضائع والفجائع التي أدّت إلى استئصالهم وهلاكهم هلاكًا أبديًّا. ففضائله التي تجلّت في نهضته كانت بمنزلة نور لا يزال يشعّ في العالم سناه، أو شمس لا تزال مضيئة تملأ قلوب البشر حياة ورحمة ورشدًا. وهمجيّة بني أُميّة التي ظهرت للناس بظهوره، وتبيّنها العالم قيامه ونهوضه، كانت بمنزلة ظلمة انجاب سدفها، وتقشّع دجاها، وأصبح مهدّدًا كلّ من يريد أن يسير بسيرتهم، ويمضي على منهاجهم، أترى أُمّة تقدر على القيام بهذين العملين العظيمين، والفوز بهذين النصرين المبينين؟ تحيي الحقّ، وتميت الباطل في آن واحد، تقضي على الظالم وتقتلعه من أصله وأساسه، وترفع منار الحقّ والعدل فتعلي لواءه، وتجلي سناه، وتجعله باقيًا ما بقي الدهر خفّاق العذبات، متألّق اللمعات. هكذا صنع الحسين بعون الله وتأييده، وإلى هذا أشار.